وادي المطوي.. معضلة سلفيت
15 عاماً من معاناة الأهالي والبيئة وانتظار حل بقرار سياسي!
تحقيق: أميمة صالح وعهد بني نمرة
وادي المطوي هو أصل الحكاية. الوادي الذي يعاني منذ 15عاماً من سموم الاحتلال ومخلفات مستوطناته والمدينة التي ارتبط بها "سلفيت". يقع في المنطقة الغربية من سلفيت. يسير مثقلاً بتلوثه مروراً بـ"بروقين" و"كفر الديك" تاركاً أثره على أراضي القرية وأجساد سكانها ومزارعهم. يستصرخ الهمم طالباً النجدة بدلاً من وعود أثقلت كاهله طوال الأعوام.
مياه جارية من سلفيت مروراً ببروقين وانتهاء بأراضي كفر الديك. تحرسها البعوض والحشرات تبعد كل من يحاول الاقتراب. وإن لم يكفه ذلك تتكفل الرائحة المنبعثة بهرب بقية الفضوليين. أما الأراضي الزراعية الممتدة على جانبي المجرى، هجر منها مزارعيها وتضررت محاصيلها بفعل ما تحمله المياه من ملوثات. هذه الحال المستمرة منذ 15 عاماً كما وصفها أهالي المنطقة.
الجاني. خالق هذا المشهد معروف أيضا. باختلاف درجة تورطه ووضوح ظهوره. "الاحتلال" هو الوجه الظاهر الذي تختفي خلفه كل الأوجه الأخرى. تظهر عند أول تضارب في الآراء وتراشق في الاتهامات وإلقاء اللوم على هذا وذاك. ويتفقون مجدداً بحل تبقى نهايته معلقة عند "نحن بحاجة إلى قرار سياسي" !.
مكرهة صحية
خلال عملنا على هذا التحقيق لاحظنا اختلاف وجهة النظر في نقاط معينة والتقائها في أخرى. ويبدو أن من نقاط الالتقاء هنا هو سبب المشكلة أو المكرهة الصحية التي تحول إليها الوادي. المياه العادمة ومياه المجاري من المستوطنة الصناعية الأكبر في الوطن المقامة على أراضي المحافظة "بركان"، و مستوطنة "أرئيل" من كبرى المستوطنات في الضفة الغربية، إلى جانب مخلفات مدينة سلفيت نفسها هم المتهمون الأساسيون في هذه القضية.
بروقين وكفر الديك من محافظة سلفيت هما الأكثر معاناة من المكرهة التي بلغت عامها الخامس عشر. يقول رئيس بلدية كفر الديك جمال موسى سلميان "يوجد في البلدة ينابيع مياه تلوثت بفعل المجاري نظراً لوجود عين الماء بقرب الوادي. واختفت العديد من النباتات النادرة من المنطقة وظهرت الأمراض والحشرات. عدا أن المزارعين في تلك المنطقة أصبحوا غير قادرين على الوصول لأراضيهم المنتشرة على يمين وشمال مجرى الوادي والطريق الزراعي يمر من الوادي نفسه".
ويضيف سليمان "بسبب البعوض والحشرات المنتشرة في المنطقة، لا يمكن لشخص أن يجلس خمس دقائق بعد الساعة الخامسة، إضافة إلى الروائح الكريهة".
وهو ما يؤكده المزارع من البلدة مراد عبد الرحيم، أنه يضطر للمرور بقرية بروقين المجاورة للوصول إلى أرضه في كفر الديك، هاربأ من الرائحة الكريهة وقطعان الخنازير المنتشرة في منطقة الوادي.
ويتطرق عبد الرحيم إلى حالة أرضه التي تحتضن أشجار الزيتون بجوار مجرى الوادي متحدثاً عن تضرر أشجاره، ومعاناتهم من الخنازير، واقتصار ذهابه لأرضه في موسم الزيتون فقط. وعبد الرحيم ليس إلا واحد من بين العديد ممن يعانون نفس فصول الحكايا.
تاريخ يروي
عن حالة الوادي وتاريخه يروي لنا المزارع المتشبث بأرضه منذ 30 عاماً جمال الحمد "بالرغم من قلة المزارعين الذين ما زالوا متمسكين بأرضهم إلا أنني صامد على أرضي. والدي يتملك دونماً ونصف في المنطقة المجاورة للوادي، حيث كانت تعتبر مصدر رزق لنا وتطعم عائلتنا المكونة من 30 فرداً".
لكن في الوقت الحالي اختلف الوضع اختلافاً كبيراً. حيث مياه المستوطنات وما تحويه من مخلفات دمرت هذه البقعة الزراعية، وعامل آخر زاد المشكلة خطوة يتمثل في ترك وإهمال الناس لأراضيهم.
ويكمل الحمد "عدم وجود دعم كافي من السلطة الوطنية الفلسطينية ووزارة الزراعة جعل من الوادي مكبا نفايات ومخلفات مصانع بدلاً من كونه مصدرا للشرب ولري المزروعات".
ويضيف الحمد "أصبح الوادي مكرهة صحية تؤثر سلباً على الإنسان، والحيوان، والنبات، بالرغم من أنه يطفو على بحيرة مياه عذبة".
مشكلة متعددة الأسباب
على صعيد الأراضي الزراعية في منطقة المطوي يحدثنا عنها مدير قسم البيئة في بلدية سلفيت أشرف زهد قائلاً "بالنسبة لوادي المطوي يعتبر سلة غذائية لمدينة سلفيت، عدا عن كونه محمية مائية لأهميته الكبيرة بالنسبة للمدينة وقراها".
الوادي يستقبل 3 أنواع من المخلفات (الملوثات) هي النفايات الصلبة، والسائلة، والهوائية، الناتجة عن مصانع المستوطنات القريبة والمحيطة بالمدينة والتي تصب في وادي المطوي.
ويضيف "بالنسبة للمياه العادمة التي تمر في واد المطوي مصدرها مجاري المستوطنات التي تحمل ملوثات بيولوجية وكيماوية التي تسبب الكثير من الأمراض".
ويكمل زهد "تستفحل مشكلة وادي المطوي عندما تختلط مياه الوادي مع المخلفات الكيماوية كالرصاص والنحاس وغيرها. دخول مثل هذه المخلفات للمياه، وانتقالها إلى الإنسان عن طريق السلسلة الغذائية، و تراكمها في النسيج الدهني قدي تحول فيما بعد إلى سرطان الكبد أو سرطان البنكرياس أو سرطان المعدة".
ويضيف "وجود المجاري في الوادي يسبب أيضاً وجود الحشرات والبعوض وأخطر أنواع الحشرات هي (اللشمانيا). وهي من الحشرات المستوطنة في مدينة سلفيت.هذه الحشرة ينقلها الوسط الناقل هو البر الصخري والخنازير التي تستوطن المدينة بشكل كبير".
وعن التلوث الهوائي يضيف زهد "يخرج من مستوطنة أرئيل القريبة من المدينة غازات كيميائية وعضوية تصل إلى المنطقة الزراعية المجاورة للواد يمن خلال الهواء. وتؤثر سلباً على الإنسان والنباتات بشكل خاص وتعتبر هذه الغازات من أخطر مسببات التلوث وحدوث الأمراض".
متر واحد الفاصل عن التلوث الكامل
حول كمية المياه المستهلكة في مدينة سلفيت التي مصدرها نبع المطوي، يوضح لنا مدير قسم المياه والصرف الصحي المهندس صالح عفانة "تستهلك سلفيت 2000 كوب يومياً أي ما يعادل 15% من مياه واد المطوي الصحية. والمصدر الثاني للاستهلاك هو نبع السكة الكائن في مدينة سلفيت. و70% من شركة كهرباء".
ويعبر عفانة عن خوفه وقلقه من اختلاط مياه المجاري في الوادي بشكل كامل. حيث تبعد المياه الصحية عن مياه المجاري متراً واحداً "وهذا يشعرنا جميعاً بالخوف" .
وأنهى عفانة حديثه "عملنا جاهدين لإيجاد حلول حتى لو مؤقتة لإبقاء المياه صالحة للشرب. ولكن بلا جدوى؛ فعند اختلاط المياه الصالحة للشرب والري بمياه المجاري يشكل خطراً كبيراً على بقعة المطوي بشكل كامل. وفور اختلاط المياه مع بعضها البعض تسبب لنا خسائر كبيرة بالنسبة للزراعة والأراضي تصبح غير صالحة لشيء، والتربة تكون ملوثة ".
نقاط اختلاف
كان لنا حديث مع رئيس قسم صحة البيئة مديرية صحة سلفيت عبد الكريم بولاد وعند سؤاله عن مشكلة اختلاط المياه مع المياه العادمة ومياه المجاري كان الرد "لا أعتقد أن هذا قد حدث. لم يحدث اختلاط بين المياه الجوفية والعادمة. كان شك في اختلاط بفعل فيضان بسبب الأمطار. نحن والبلدية تعاونا معاً وسيطرنا على الوضع ولم يحدث لدينا أمرض أو وباء ناتج عن هذا الوضع. ما أقوله هو أمر موثق وأرقام وزارة الصحة تدل على هذا".
من جهته ومعقباً على نفس النقطة قال رئيس بلدية كفر الديك جمال سليمان "هذا الكلام غير صحيح. العين موجودة من مئات السنين وكانت تغذي جميع أهالي البلدة ولكن حاليا هناك نسبت تلوث كبيرة وليس هناك أي مجاري قريبة إلا مجاري سلفيت وأرئيل. المياه القادمة من الجيل كيف ستتلوث؟ والتلوث حدث بعد بناء مستوطنة أرئيل ومذ بدأت سلفيت بضخ مجاريها في مياه الوادي".
بخصوص الأمراض والمشاكل الناتجة عن مكرهة الوادي الصحية. أردف بولاد "الأرقام موجودة في المديرية وتقارير وزارة الصحة الفلسطينية. الليشمانيا أو ما يعرف بذبابة أريحا هي ليست محصورة فقط في سلفيت. كما أن مياه المجاري والمياه الجارية لا يتوالد فيها بعوض، المشكلة تكمن في المياه الراكدة، ونحن نقوم بفتح المجرى بالتعاون مع البلديات، نزيل كافة المستنقعات التي بجانب المجرى حتى لا يحدث توالد للبعوض. إضافة للرش في فصل الربيع بمعنى تبنينا المكافحة البيئية والكيميائية لمحاربة اللشمانيا. بالنسبة للحالات الموجودة – معذرة- موجودة ضمن المستوى العالمي والطبيعي للمنطقة. نحن أقل من طبريا في المناطق المجاورة, وأقل من الأردن في بعض المناطق. التغيرات الجوية التي تحدث لها تأثير لم يكن يتواجد لشمانيا في سلفيت من قبل. لكن التغيرات الجوية والمناخية جعلت البعوض يتكاثر في مناطق لم يكن يتكاثر بها من قبل وليس بالنسبة لمياه المجاري".
ويتابع بولاد "أنا لست بطيب ولست من يقرر. على سبيل المثال الهيبتايتس طرق نقله هي عن طريق تلوث بالمياه العادمة وصلت إلى فم الإنسان عن طريق المياه أو الخضار. الطبيب يشخص الحالة بالإصابة. في هذه الحالة لا يخبره أنت أصبت بسبب شربك لمياه عادمة من محطة أرئيل أو أنت لم تقم بغسل يديك. نحن نتحدث عن التوعية المجتمعية والنظافة العامة.الطريقة معروفة بسبب براز إنساني، كيف حدثت من المطوي أو غيره هي موضوع نظافة وتوعية".
وأكد بولاد عدم تزايد الأمراض منذ ظهور مشكلة وادي المطوي "الأمراض التي كانت موجودة سابقاً قبل وجود مشكلة وادي المطوي إلى الآن لم تتغير، وتقارير وزارة الصحة تشير أننا في الأمراض المعدية لم نتعدى المعدلات الموجودة في المنطقة".
مردداً أن الأمور تحت السيطرة "من ناحية أمراض معدية ورعاية صحية نحن مسيطرون على الوضع. عملنا في التثقيف الصحي، والرش، والتطعيم، والرصد الوبائي، وتسجيل الإحصائيات. نحن نتابع الموضوع. ثلاث جهات تعمل على متابعة الموضوع قسم الوقاية في المديرية يتابع الحالات العلاجية والمرض. قسم التثقيف الصحي يتولى التثقيف والتوعية. ونحن بدورنا نقوم بأخذ عينات ونفحص. مياه المجاري تفحص في كل فلسطين مرة كل شهر".
وعند سؤال رئيس بلدية كفر الديك عن سبب الاختلاف في بعض النقاط أجاب "المجاري ماذا ستجلب غير الدمار لكل ما تمر من عنده سواء في الزراعة أو البيئة أو الصحة أو التربية الحيوانية. وطبعا سلفيت لن تكون المتضررة ! نحن لا نتهم أحد ولكن المجاري الموجودة من وادي المطوي 60% من ارئيل والباقي من سلفيت".
تعقيباً على محاولة التنسيق مع بلدية سلفيت لحل المشكلة، يقول سليمان "ما حدث ليس حلا ولكن كما أسميه هو إبر تخدير. الذي حدث أن سلطة المياه غطت جزءا من المجاري التي تمر بقرية بروقين، 2 أو 3 كيلو. ونحن وصلنا مشروع سيتم تنفيذه في 2016 هو تغطية 2ك يلو من المجاري، أما مياه المجاري فتبقى بالوادي. أي أن كل الذي تم تغطيته من سلفيت إلى أراضي كفر الديك بعد تنفيذ مشروع كفر الديك هو 5 كيلو فلم يحدث علاج للموضوع ولكن هو إزالة جزء من الضرر. إضافة إلى إنتشار البعوض بطريقة غريبة جداً. وكان هناك نباتات نادرة موجودة في الوادي ، عدا عن وجود الخنازير في المنطقة".
من الجدير بالذكر أنه دراسة علمية أعدت بالتعاون مع معهد الأبحاث التطبيقية "أريج" وبلدية سلفيت في العام 2007، تناولت طبيعة الملوثات الموجود في المياه. وقد لوحظ وجود كميات كبيرة من "البكتيريا القالونية" في مياه المطوي. وذلك قبل القيام بمعالجة المياه في الخزان، وتنتج تلك الملوثات في معظمها عن مياه الصرف الصحي الصادرة عن مستوطنة "أرئيل" وقسم قليل من مجاري مدينة سلفيت التي تختلط بالينابيع المائية المغذية للمطوي.
إضافة إلى قصة المواطن سامر رضا عبد الإله والتي نشرت في مجلة "آفاق فإن الملوثات الناتجة عن مياه الصرف الصحي قد تسببت في انتشار الأمراض الجلدية بين أطفاله، إضافة عن الضرر الناتج عن تحويل منزله إلى مكرهة صحية، ومرتع لانتشار الحشرات هناك.
حل ولكن !
عند طرح موضوع الحل النهائي للأزمة على طاولة النقاش يكون الجواب واحد "محطة تنقية" فما الذي يمنع وجودها إلى الآن ؟!
يجيب عبد الكريم بولاد "باختصار إنهاء المشكلة يحتاج إلى قرار سياسي!". وذلك باعتبار موضوع المستوطنات بأكمله في الضفة الغربية هو موضوع سياسي. ويتابع "بمعنى لن أنظر إلى موضوع مجرى والمستوطنة بأكملها غير شرعية. فهل أشرع مياه المجاري وأعالجها مقابل مستوطنة مقامة على أرض هي أساساً غير شرعية".
وهي نقطة أخرى يشترك معه بها جمال سليمان الذي يقول "الحل هو إيجاد محطة تنقية في وادي المطوي أو في أراضي كفر الديك. ويقال أن سلفيت ستنشأ المحطة في السنوات القريبة القادمة. لكن السؤال هنا هل سيتم إشراك أرئيل فيها طبعا هذا بحاجة لقرار سياسي. الذي أعرفه منذ 8سنوات كان هناك محطة بتمويل من الألمان لوادي المطوي والاحتلال يريد المشاركة بها، ولكن السلطة لن تقبل بشرعنة الاستيطان".
ويتابع سليمان أن المواطن العادي ما يهمه هو إزالة الضرر عنه. وتوافق ذلك مع رأي المزارع مراد عبد الرحيم عند عرض إشكالية المحطة وشرعنة مستوطنات الاحتلال "يعني هي السلطة مش قادرة تعملها لحالها! تطلب من الدول المانحة وتنفذ المشروع. يا ريت تصير في محطة ونرجع نزرع أرضنا مثل أول وتنحل المشكلة".