بسمة فوق الركام كتبت: بيسان الخاروف.
ببسمة كللها الوجع، تداري أم الأسير كرم المصري حرقا بداخلها، وعيون مكلومة تحاول أن تخفي حزنا حرق الفؤاد فأرهقه، تخبأ دمعها خلف ستارة من قوة مصطنعة، وتصبر نبضات قلبها المتسارعة على ابنها المغيب خلف قضبان الاحتلال.
عيناها كلوحة فنان، تشرح إليك من نظرتك الأولى لها كل ما يمكن أن يقال، تنظر بهما إلى صورته، وتبتسم بضحكة خفيفة ملؤها ألم البعد والحنين، وتقول:" حبيبي كرم، الله يرضى عليه، كان دائما مبتسم".
لم تكن تدري حين عودتها من المشفى، بعد أن خضعت لعملية جراحية، ستزامن اصابة ابنها كرم في يده، ليدعى الاحتلال أنه كان من ضمن عدد من الأشخاص الذين نفذوا عملية ايتمار عند حاجز بلدة بيت فوريك، والتي قتل فيها مستوطنان، في حين أنه أخبر عائلته بأن جرحه نتج عن حادث في عمله.
"لم يرد في ذهني أن إصابته بلغت لتلك الخطورة، واطمأن قلبي حين علمت بأنه خرج من المستشفى، إلا أن الوجع بعد عودته أخذ بالازدياد إلى درجة لم يحتملها، فأخذوه أخوته من جديد إليها، لتختطفه قوات المستعربين من هناك، وترحل به إلى مرحلة صعبة وواقع مرير، وكل هذا حصل وأنا لا أعلم به، لقد تكتمت عائلتي على الخبر بسبب عمليتي" هكذا استهلت الأم حديثها عما حصل.
وتمضي إلى ركام منزلها، الذي استمد منها اصطناع القوة بدلا من الانكسار، فبالرغم من وقوع جميع الجدران بقي واقفا يدعي القوة والبقاء، حاله يقول ما زال للحياة بقية، فرغم هدمه لا زالت العائلة متشبثة بإعادة بنائه لتعود إلى أحضانه من جديد، فرفعت قضية للمحكمة تنتظر أن يبت الحكم فيها للسماح لهم بإعادة بنائه، بالرغم من التهديدات لهم بمصادرته أو إعادة هدمه، حسبما قاله لهم المحامي.
تتجول فوق الحطام، وتجول بعينيها أرجاء المكان لترى في كل زاوية ضحكة أو قصة أو موقفا جمعها وعائلتها، وتشير بيد مرتجفة وتقول:" هناك غرفة كرم وأشقاؤه، جميع الأسرة تكسرت إلا سريره، بقي كما هو"، تصمت قليلا، كأنها تحاول قتل رجفة في الصوت حاولت أن تكتسحه فقتلتها بقوتها، وتعاود بعد ثواني معدودة، بصوت أكثر حدة وتقول:" هذا الدمار الذي حل بالبيت جميعه سيعوض، بسمته بالبيت والحجار، بكل اشي نملكه".
يباغتها ابنها الأصغر محمد دون أن تراه، واضعا يده على كتفها، يشدها بقوة إلى صدره، كأنه يناشدها بصمت المحب، ادخلي إلى داخلي وشافي جرحك مني، ويكمل عنها:" عندما أقدموا على هدم المنزل وضعونا وجيراننا القريبة بيوتهم منا في غرفة واحدة، وقف الجندي إلى جانبنا وقال لنا انتبهوا، حتى تسمعوا انفجار البيت".
وقف الجندي أمامهم يعد للعشرة حتى يعطي الأمر بتفجير المنزل، وعندما يصل للرقم تسعة، يعيد العدَ من جديد لأكثر من ثلاث مرات، متفننا بأعصابهم المتوترة، ومتلذذا بدقات قلوبهم التي تكاد تسمع، بعدها فجر البيت، وسقط الركام على أغراضهم، وأحلامهم وذكرياتهم.
ليس وحده بيت كرم من هدم، بل ثمانية بيوت أخرى بجواره طالها الهدم وعمها الخراب، ثلاث بيوت أصبحت غير آهلة للسكن، بيت عائلته وجده في الطابق الأرضي، وبيت عمه في الطابق العلوي، وخمسة بيوت أخرى هزها الوجع حين دوَت القنابل تفجر منزل كرم، فسقط زجاج ها وتصدعت الجدران.
يقف محمد في الزاوية، يتأمل أمه من بعيد وينصت لها، ثم يتابع عنها:" لقد اتهموه بأنه دخل إلى المشفى باسم مزور، ولكنه دخل باسمه الحقيقي، ومن الممكن أن يكون قد حصل لبس بين اسم المصري ورزق الاسم الآخر للعائلة، وهناك أوراق وتقارير طبية تثبت بأنه لم يدخل باسم مستعار".
تدور بنظرها بين الجدران المهدمة فيقع بصرها على كرسي بالجوار، تسحبه وتجلس عليه مسندة رأسها المثقل بالهموم والأوجاع بيدها، وتتابع:" لم يكن ينتمي لأي فصيل، لقد كان هادئا وطموحا دائما، ولم يدلي لنا بأي شيء عن إصابته سوى أنها إصابة عمل".
وتتابع في كلامها الممزوج بحرقة الأم حين يسرق جزءا منها، "صرح لنا أن إصابته هي من العمل، وحتى إن لم تكن كذلك فهذا شرف لي، أعلم أنه من الممكن ألا يخرج لسنين ولربما لن أراه، المحامي الآن يحاول التخفيف عنه بدلا من مؤبدين إلى مؤبد واحد".
وفي هذه المرة تخونها أوتارها الصوتية، وتغتصب دمعاتها أرض وجنتيها، ليهزها الوجع على غيابه الذي قد يطول لسنين وسنين، وتخلو حياتها من ضحكة كرم وصوته، لحظات، وعاودت من بعدها تلملم نفسها من جديد وتمسح بيدها دموعها، وتبتسم ابتسامة من بعد انكسار وتمضي بالقول:" الأمل بالله كبيرا، عسى أن يخرج بصفقة بالأيام القادمة".
وتبقى وحدها لوحات محمد التي أنجزها في تخصص الديكور، ذات الألوان الزاهية تضيء من تحت الركام، حين يهم أي شخص بالخروج من المنزل، ترفض أن يطفئ بريق ألوانها حجر ووغد تلحف الليل وجاء إليهم واعتدى، وكأنها بتلك الألوان الصارخة تنبه كل من يمر، أن البيت اليوم ركام وغدا حتما سيقام من جديد.