تقبلتني ابنتي" بهذه الكلمات عبّر الأسير( زاهر خطاطبة )عن فرحته بزيارة أهله بينما جلس يشارك رفاق القيد احتساء القهوة.
الأسير زاهر ابن 39 عاما من سكان بيت فوريك شرق نابلس أعيد اعتقاله لتعيد المحكمة الصهيونية حكمه السابق 22عاما بعد أن أمضى منها 17عاما عند تحرره في صفقة وفاء الاحرار. يقول زاهر: "تزوجت خلال فترة حرّيتي التي لم تدم طويلا ورزقت بطفلتي (رهف )التي أشعرتني بطعم الحياة ويضيف قائلا ,أخيرا تقبلتني ابنتي وتقبّلت وجودي في حياتها أخيرا شعرت بمشاعر الأبوّة الحقيقية ,فقد كنت أنتظر بشغف دخولها عندي عندما كانت تلوّح لي من خلف الزجاج وتتكلم معي عبر سماعة هاتف الزيارة . وحين حانت اللحظة المنتظرة في اخر عشر دقائق من الزيارة أخذ السجان الأولاد دون سن السادسة ليسمح لآبائهم الأسرى التواصل معهم مباشرة. لم أنتبه بدخولها بادئ الامر, والتفتّ على صوت بكاء طفلة فاذا هي حبيبتي رهف! فتوجهت نحوها مسرعا وفور مشاهدتي تقدّمت اليّ فاتحة ذراعيها أمطرها بقلبي وأجذبها بحنان الى صدري ,ويستطرد : كانت مذعورة ,لأنّها لا تعرف أحدا من الاسرى الحاضرين في القاعة وحين تعرّفت عليّ من بينهم اطمأنّت وسكنت وهي التي كانت تخاف الاقتراب مني من قبل .
هدأت رهف ابنة السنتين والنصف بين ذراعي والدها الذي طالما اعتبرته غريبا عنها فقد أعيد حبسه قبل أن تتم السنة من عمرها ,لا تعرفه سوى من الصورة أو من خلال زجاج الزيارة السميك. ويستطرد الأسير زاهر في رواية قصته فيقول: ما ألذ اللّحظات التي شعرت به بدفء رهف وما أجمله وما أشفقني على الأسرى الذين أخذوا يستعيرونها منّي ويكأنّها دمية يقبّلونها ويلاعبونها لتشوقهم الطويل للأطفال !ولحسن حظي سرعان ما تتخلص منهم لتعود الى حضني.
أخذ الاسير زاهر يحدّث بلهفة ووله عن لعثماتها المعسولة ,ونفغاتها البريئة ,ويقلّد بها وهو مازال تحت تأثير سحرها.. ثم قفز فجأة وقد تذكّر شيئا مهمّا وقال: "لقد أخذت بقلتها وقمت بتهريبها. ثم دخل الى الخيمة وعاد مسرعا بمشبك شعرها يحمله بين أصابعه بلونه الذهبي الجميل ,وخرزاته اللامعة وراح يشمّه ويقبّله ثمّ يتنهد ويردّد باسمها رهف حبيبتي ..رهف حبيبتي"
ويقول الاسير عمر عطاطرة رفيق قيده :"لقد أخذنا المشبك منه ونقلناه بيننا وكأننا نتعرف على كائن غريب عن عالمنا فهذا التذكار من الممنوعات الذي يمنع على الأسير اقتناؤه" و أردف الأسير زاهر واصفا لحظة الوداع عندما حان وقت خروج الأطفال من عند آبائهم الأسرى:" توجهت بابنتي نحو البوّابة ودفعتها برفق الى الخارج باتجاه أمّها ولكنها التفتت اليّ عانقتني بحرارة وقوّة وهي تبكي.. لم أتمالك نفسي من شدة البكاء ,وذرف بعض الأسرى المتواجدين الدمع مع مشهدها.. ومن الغرابة أنّ السجّان الواقف لحراستنا أبكاه الموقف! أمّا عن اللحظة التي مزّقت قلبه حتى وقته هي اللحظة التي حاول فيها افلات يديها الصغيرتين عن رقبته فيقول: "كانت تجذبني بكلتا يديها من رقبتي وتتشبّث بي بشكل غريب والدموع تملا خديها لا تريد الابتعاد عني ..ولكنني اضطررت أن أنتزع يديها وكأنّني والله نزعت روحي !!عندها لم يتمالك زاهر نفسه واغرورقت عيناه متأثرا باستعراض المشهد من جديد..
قال عمر عطاطرة:" أرجعنا البقلة لزاهر مباركين له الزيارة مرّة اخرى فكل واحد من الأسرى الحاضرين يودّ لو حظي بها لما لها من رمزية ومعنى.."
تلقّف زاهر البقلة ووضعها فوق صورة ابنته الوحيدة (رهف )التي تغذّي روحه بالأمل. وأنهى حديثه أنها النّور التي تضئ له عتمة السجن, وهي كل عالمه الذي يتمنّى أن يعود اليه قريبا.