بعد أكثر من شهرين على استشهاد ايهاب حنني.. ذكرياتٌ لا تنسى وصدمةٌ لفراقه
أصداء- ساجدة أبو حمدان
أيامٌ وأسابيع بل وشهور مضت، ولا زال أقرباء وأحباء الشهيد إيهاب حنني (19 عاماً) يعانون من أثار صدمة فقدانه، بعدما ارتقى في مواجهات اندلعت قرب حاجز بيت فوريك العسكري في السادس عشر من تشرين أول هذا العام،متذكرين المواقف التي جمعتهم به، والأوقات التي قضوها معه، وبينما لم يكونوا مستعدين لفراقه بهذه السرعة، خطفته رصاصةٌ غادرة من قناصة جندي إسرائيلي استقرت بصدره.
يوم استشهاده أخبر أخته الصغرى ديمة التي كانت وحدها بالمنزل فيما كانت العائلة تقطف ثمار الزيتون، بأنه يريد أن يأكل "معكرونة" فأعدت له الطبق الذي يحب، ثم أوصاها بأن تغلق الباب خلفه جيدا، وبأجمل ثيابه خرج من بيته ليلاقي مصيره المحتوم بأن يرتقى لربه كما كان يتمنى.
فَقبل أسبوع واحدٍ من استشهاده أصيب إيهاب برصاصة ٍمطاطيةٍ في قدمه، مما جعل والده يقلقان عليه، ولكنه أعاد الكرة وذهب يدافع بجسده وروحه عن أرضه التي سُلبت، وعن المحارم التي انتُهكت، فتقبلته الأرض بين ثناياها معطراً بدمه الطاهر.
بصوت مبحوحٍ حزين قالت ديمة إن فراقها لشقيقها الحنون شعور لا تستطيع الكلمات أن تصفه، فهو أكثر من أخِ لها، ورحيله صدمةٌ كبيرة لم تتوقع حدوثها ذات يوم.
تابعت بعد صمت متذكرة أيام حياته: "إيهاب كبقية الشباب كان يحكيلي انو بدو يبني بيت كبير ويشتري سيارة ويتزوج، بس ما كان يحكيلي ايش بدو يصير، أو شو بخطط لحياته المستقبلية بالتفصيل".
جيهان أخته الكبرى التي لم يمض على زواجها أسبوعاً، ودعت أهلها يوم الخميس لتسافر مع زوجها، ولكن إيهاب لم يكن بالبيت، فعاتبها بعدما اتصل عليها لأنها لم تودعه، وأوصاها بأن لا تطيل السفر كي يزورها ويسهر عندها، ثم ضحك، هذا آخر حديثِ دار بينهما، ولم تتوقع جيهان أن تراه شهيداً في اليوم التالي.
وتنشر جيهان على حسابها في الفيسبوك صوراً لشقيقها الشهيد تارةً خلال سهراتٍ جمعتهما، وتارةً وهو يبتسم متأنقاً بلباسه، وتارةً وهو يستريح استراحة شهيدٍ عند حاجز بيت فوريك قبل استشهاده، وتكتب "ما تقولي مات يا إمي، إيهاب شهيد، بالجنة بنجتمع، ما تقول مات يابا، فدا الوطن دماته".
فيما عبرت أم الشهيد إيهاب عن صعوبة ما حدث معها عند تلقيها خبر استشهاد فلذة كبدها، مصابةٌ باللوعة أنه ذهب ولن ترآه مجدداً، قائلةً أن فقدان نجلها بلحظة هو شعورٌ لا تستطيع البوح به، مرددةً "ابني حبيبي ايهاب، الله يرحمه".
ووصفت نجلها بشدة حبه للتجمل بملابسه كي يبدو أنيقا دائما، كما أنه كان يحب النُزهات والسهرات، مؤكدةً أنه كان بسيطا يحب الجميع، وكان حنونا يخاف عليها، فعند حدوث أي مشاكل عائلية كان يحميها ويخفف عنها.
وتابعت: "إيهاب لم يكن يخبرني بما كان يحصل معه، وبذهابه للمواجهات كي يرمي الحجارة على قوات الاحتلال، ولكنني علمت بذلك بعد استشهاده".
وقبل استشهاده بفترة قالت إن إيهاب كان يحاول الابتعاد عنها وعن والده، وقل حديثهما، ولم يعد يطلب منها طعاماُ أو عملاً معينا كما كان في السابق، ربما كي يخفف عنها ألم رحيله المفاجئ يوما ما.
أما ابن عم الشهيد وصديقه المقرب علي حنني، فلا زال مصدوماً لفراق رفيق دربه، فعندما أخبره أصدقائه وأقاربه وهو في عمله باستشهاد إيهاب لم يصدق الخبر، حتى رآه مستقراً في ثلاجة الموتى فانفجر باكياً من الفاجعة.
"كُنّا أعز من الإخوة، فعندما ينتهي كلٌ منا من عمله كل يوم، نجتمع في ساعات المساء لنخرج ونستمتع ببقية يومنا، وبرحيله بقيت وحيداً، فلا أحد يسدُ مكانه" كلماتٌ يقولها علي بحزنِ ووجع مستذكرا أياماً جمعته بايهاب.
وأشار إلى أن إيهاب كان ينوي خطبة فتاة كما حدثه قبل استشهاده، قائلاً له بأنه سيتزوج عما قريب، ولكنه زُفَ عريساً إلى عروسه في الجنة.
"يا إيهاب السما بتزغرد، والحور ترحب يا حنني، في بيت فوريك الموت طاب ما نرضى الذله يا صحاب، بالشهادة الله أكرمنا واحنا آمنا يا احباب، من جرح الوطن تعلمنا، كيف بنتحدى الصعاب، وكيف نكابر على الجراح، مثل ابن الحنني ايهاب جبل وما بتهزه رياح" كلماتٌ أهداها الشاعر عدنان بلاونة لروح الشهيد.