الرئيسية / الأخبار / فلسطين
"الخرق"...معلم حضاري شاهد على ديمومة فلسطين التاريخية
تاريخ النشر: الثلاثاء 29/12/2015 19:52
"الخرق"...معلم حضاري شاهد على ديمومة فلسطين التاريخية
"الخرق"...معلم حضاري شاهد على ديمومة فلسطين التاريخية

 تقرير: مجد الحاج خاص بـ أصداء

أحجار ترتبت بعناية فائقة وانتظام دقيق لتشكل بتناسقها وجمالها مدخل ذلك النفق العثماني العتيق، الذي تفوح منه أصالة الماضي وعبق التاريخ، ليوثق لنا جهد من سال عرقهم وبذلوا جهدهم لينجزوا ذلك العمل العظيم وليتركوه لنا نبدع في وصفه ونجتهد في ذكر مغانيه.

هذا النفق التركي يبلغ طوله حوالي 300م تشق بطن أحد الجبال التابعة لبلدة بلعا الواقعة على بعد 10 كم من مدينة طولكرم ويتخلله سكة حديدية الأولى من نوعها في فلسطين آنذاك.

وقد سمي ب"الخرق" لأنه يخترق الجبل على شكل نفق، أبدعه ألاف العمال الذين لم يملكوا إلا أدوات بدائية لا تتجاوز ببساطتها الفأس والمعول.

كما أن النفق مقام على أنقاض خربة اثرية رومانية يطلق عليها اسم "راشين"

فكرة إنشاء خط سكة حديدية تصل ما بين "استانبول" والحجاز تبلورت في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، بمشورة من أحد وزرائه ويدعى عزت عابد، لتسهيل الطريق على الحجاج القادمين من تركيا وبلاد الشام باتجاه مكة المكرمة، بحيث يأمنوا اعتداءات البدو الأردنيين وغاراتهم على الحجاج وقوافلهم، ويختصروا المدة الزمنية اللازمة لرحلة الحج.

ليس هذا السبب وحسب، فالعارفون بالتاريخ يكشفون عن غاية أخرى للسكة –التي استمر العمل بها أكثر من ثماني سنوات متتالية (1900-1908م)- غير معلن عنها تتمثل في إرسال الذخائر والتعزيزات للجيش التركي، حال قيام أي ثورة ضد "الباب العالي".

بنيان مرصوص

من يدخل في "خرق بلعا" –كما يطلق عليه السكان المحليون- يستشعر درجة الإتقان التي بنيت بها كل من وسعاته وكواته وأقواسه، إذ شارك في تصميمه وتنفيذه عدد من المهندسين الألمان نظرا للعلاقة الوثيقة التي كانت تربط بين العثمانيين والدولة الألمانية وقتها، فامتزجت أصالة الشرق وسحره بالخبرة والمهارة الغربية.

أستاذ التاريخ نعمان شحرور يصف النفق بقوله: "إنه تحفة معمارية رائعة تعبر عن مدى الإرادة القوية التي كان يملكها أجدادنا، وعلى مدى حرصهم تذليل كافة العقبات والصعوبات التي كانت تقع في وجه النهوض بالبلاد وصحوتها".

ونوه شحرور إلى أن هذا النفق يستحق الرعاية والترميم من وزارة السياحة والأثار الفلسطينية، وكذلك استغلاله في مشروع يدر ارباحا تستخدم في صيانته واصلاحه.

من جهته، أكد رئيس بلدية بلعا أحمد منصور أن البلدية تبذل قصارى جهدها في سبيل المحافظة على هذا الإرث الحضاري، وقد شكلت لذلك لجنة من خمسة أعضاء لمتابعة جهود اعادة تأهيل النفق.

اهتمام ورعاية

المواطنون أبدوا استيائهم من الإهمال الذي يلحق بالنفق، وعدم استغلاله كتراث حضاري ومزار سياحي، لكن بالمقابل يعد المكان قبلة للزوار من مختلف المناطق.

ويشيد مدير مكتب السياحة والأثار في طولكرم مفيد صلاح بالحملة التي أطلقها شبان من بلدة بلعا التي تسعى إلى لفت الأنظار إلى منطقة الخرق وزيادة الاهتمام به.

ويبدي المواطن محمد جمال فرحته بزيارة "الخرق"، حيث يمضي برفقة أسرته وقتا طويلا للاستمتاع بمشاهدة الأزهار وشدو الطيور هناك.

أما المعمر حسني الحاج علي، فقد أشعل غليونه وراح يستذكر أيام سماعه صوت القطار المار بجانب كرم زيتونه، فيجلس تحت أصغر زيتونة في أرضه ويروح يراقب القطار وهو يتوارى عن الأنظار في ذلك النفق العجيب.

هذا هو تراث فلسطين، وهذا ما تركه لنا أجدادنا...فيجدر بنا أن نفخر به ونعمل على صيانته؛ ليفخر به ابناؤنا من بعدنا ويبقى شوكة في حلق الأعداء وكل من يتربص في هذه الأرض.

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017