الرئيسية / الأخبار / فلسطين
دور شبكات التواصل الاجتماعي في مواجهة مظاهر الحقد والعنصرية د. أمين أبو وردة
تاريخ النشر: الأثنين 01/02/2016 08:34
دور شبكات التواصل الاجتماعي في مواجهة مظاهر الحقد والعنصرية د. أمين أبو وردة
دور شبكات التواصل الاجتماعي في مواجهة مظاهر الحقد والعنصرية د. أمين أبو وردة

د. أمين أبو وردة –سجن مجدو

الحلقة الثالثة

 

تلعب شبكات التواصل الاجتماعي دورا بارزا ومهما في مواجهة مظاهر الحقد والنظرة العنصرية، من خلال ايجابية لعناصر ذات تأثير كبير في المجتمع الافتراضي. إن إدراك النشطاء في بيئة شبكات التواصل الاجتماعي للمهمة الموكلة إليهم للحفاظ على تماسك المجتمع، ومنع انهياره أمام مظاهر الحقد والعنصرية والكراهية التي يطلقها البعض من خلف الأسماء والرموز الوهمية غالباً، وفي بعض الأحيان بشكل سافر وكلي، دون إدراك لمخاطر ذلك على بيئة المجتمع وتماسكه.

 

أثبتت الدراسات والأبحاث أن لتلك الشبكات دوراً لا يستهان به بمواجهة المواقف السلبية، سواء كانت على شكل تصريحات أو ألفاظ تنم عن الحقد على أساس عرقي أو ديني أو جغرافي أو سياسي، مما ينذر بتفكك المجتمع تحت تأثير تلك الممارسات التي تقع بشكل عفوي أو ممنهج.

 

بعدما أصبحت أدوات وبرامج التواصل الاجتماعي سلاحا قويا بين مستخدميه، فإن إدراك آثاره ومؤثراته تتطلب رؤية مفصلية وواعية للحد من أي أثار سلبية أو مدمرة حاضراً أو مستقبلاً.

 

ومن الوسائل والأساليب لمواجهة مظاهر العنصرية والحقد:-

 

-         مقاطعة دعاة العنصرية والحقد، بعدم متابعة مضامين صفحاتهم والمجموعات التي يطلقونها، في المجتمع الإفتراضي.

-         عدم تكرار واعتماد الصيغ والمبادرات التي يطلقها دعاة العنصرية والحاقدين، لأنها تساهم في تعميق الظاهرة.

-         نشر ثقافة التسامح وتقبل الآخر وعدم الانغلاق ثقافة وفكرا قولاً وعملاً.

-         دعم خبرات الانترنت وقراصنة التقنيات الحديثة في حرب المجموعات العنصرية والحاقدة.

-         نشر قائمة سوداء للمواقع والصفحات والمجموعات الداعمة للعنصرية والحقد من أجل إبرازها، وكشف أدوارها السلبية سواء بالإرشاد أو الوعظ اجتماعياً وأخلاقياً.

-         ضم نشطاء وأفراد من كافة الأعراف والأديان في إدارة الصفحات في حملات القضايا، لإظهار تلاحم الجميع في المجتمع الإفتراضي.

 

ويمكن رصد أشكال عديدة مارسها دعاة العنصرية في نشر مفاهيم الحقد والخصام الكترونياً:-

 

-         نشر رموز وأشكال ذات خلفية عنصرية تنم عن خصوصية حاقدة ورفض الآخر وتقبل الآخرين.

-         استغلال بعض الخلافات من بعض أتباع الديانات لتنجز أزمة داخلية بالرغم من عدم علاقة الدين بذلك.

-         نشر آراء دعاة العنصرية وإبرازها على صور صفحات الشبكات الاجتماعية ونقل الخلافات في مناطق بعيدة ومحاولة استنساخها في مناطقهم.

-         تضخيم أي خلاف أو شجار إلى مناسبة لإثارة دعوات العنصرية سواء على أثر مباراة رياضية أو مسابقة ثقافية.

-         رفض دعوات التسامح وتقبل الرأي والرأي الآخر وعدم التعامل على أساس ديني أو إثني أو اللون أو اللغة.

-         دبلجة أفلام ورسومات وصور تنم عن فهم عنصري تفوح منها نهج الحقد والخلاف ورفض الآخر، وتعمق الدعوات الخلافية والانقسامية.

-         اختيار الأوقات المناسبة لطرح أفكارها كالمناسبات الدينية أو الوطنية لتأجيج المشاعر والمواقف.

 

لكن اللافت أن هنالك خلط بين دعاة الحرية والمطالبة بالتحرر والاستقلال من الاستعمار والاحتلال والمقاومة، وبين دعوات العنصرية والحقد الأعمق، وهذا ما يتم استغلاله في المحافل الدولية تجاه حركات التحرر العربية على وجه التحديد لتحقيق أغراض خبيثة.

إن عدم وجود ضوابط للنشر والتفاعل عبر شبكات التواصل الاجتماعي، يعطي مجالاً لهذا الخلط، وعدم الوضوح بين الصفحات الناشطة في مقارعة الغزاة والاستعمار، وبين الصفحات الداعمة للعنصرية والتطرف، شهدت السنوات الأخيرة ميلاد ونشوء كم كبير من الصفحات والمجموعات الافتراضية على الشبكة العنكبوتية، طغى عليها السمة العنصرية، وزاد عدد متابعيها بسبب انتشار وسائل الاستقطاب بين الفرقاء في الحلبة الدولية خاصة في مناطق النزاع، وانحسار دعوات التسامح في العالم خاصة بعد تفجيرات نيويورك في سبتمبر 2001، بالمقابل انطلقت صفحات ومجموعات داعمة للتسامح وتقبل الآخر، ورفض دعوات التطرف والحقد والعنصرية والداعية إلى تنسيق الجهود لوئد الأخلاق العنصرية، وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.

 

الجرائم والإنعكاسات الاجتماعية المنتشرة والتي تسببها شبكات التواصل الاجتماعي:-

 

جراء الاستخدام السلبي لشبكات التواصل الاجتماعي، فإن هنالك إفرازات على شكل جرائم تسببها تلك الشبكات أو تقود إليها بشكل مباشر أو غير مباشر، وتبين الظروف حدوثها وتفاقمها وقد تصل درجة الجرائم إلى مستوى عال من الخطورة مثل القتل والاضطهاد والقمع وسلب الحريات العامة.

وسهل الانتشار الواسع لتلك البرامج والشبكات استفحال تلك الجرائم ووقوعها، والتي ما اصطلح عليه الجرائم الالكترونية التي أخذت ميدان الكثير من الممارسات والأحوال، جراء التقدم التكنولوجي.

 من الجرائم التي يتم رصدها وسببها شبكات التواصل الاجتماعي:-

-         القتل والتصفية: يقود الانحراف والتطرف في المواقف إلى تأجيج المشاعر والتوجهات السلبية تجاه الآخرين وزيادة الخنق، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى القتل الفردي أو الجماعي، وقد ساهمت بعض الشبكات العنكبوتية إلى تفاقم جرائم القتل الجماعي تحت وقع العنصرية والحقد، وقد رصد حالات من القتل في المجتمعات العربية والغربية.

-         القرصنة والسرقة: وقعت في الكثير من الدول حالات عديدة من السرقة والقرصنة التي شجعتها شبكات التواصل سواء من خلال تشكيل العصابات الممنهجة أو الفردية أو بجر تعليم فنون تنفيذ تلك الجريمة وتسهيل تطبيقها افتراضياً وواقعياً، ونظراً لازدياد حالات القرصنة، فإن جهات القضاء في الكثير من البلدان قد خصصت دوائر معنية بجرائم القرصنة والسرقة، خاصة السرقة الأدبية للمؤلفات والمنتوجات والاختراعات.

-          

-         الاغتصاب: بعض حالات الاغتصاب يقف خلفها التمهيد والتشجيع الإلكتروني على صفحات التواصل الاجتماعي، بسبب الأرضية التي يوفرها لها أو الإغراءات والتشجيع الذي يقود إلى الاغتصاب من خلال الاستغلال والتبرير، لذلك ساهم استغلال المراهقين والمراهقات من قبل بعض الأشخاص من كبار السن إلى حدوث عمليات الاغتصاب، بعد توثيق الصلة من خلال المحادثات المكثفة عبر برامج المحادثة الصوتية والكتابية التي تعمق الصلة، ومن ثم تكون النهاية المؤلمة بعد الثقة المفتعلة إلى حدوث الإغتصاب.

-          

-         اختراق الخصوصية: يمارس البعض سياسة الاختراق لإشتراكات الأفراد بغرض الوصول لأسرارها الشخصية، خاصة للإناث اللواتي ينشرن صورهن الخاصة مع اعتماد خاصية عدم الدخول إلا لمن تحدد وتسمح، لكن بعض الغفلاء يستغلون معرفتهم بتقنيات وبرامج للاختراق ومعرفة مضامين داخلية وعلاقة خاصة خاصة. إن خطورة الاختراق لا تكمن في إلا من قبل البعض، لأهداف الإبتزاز والاستغلال رغم أن أصوات عديدة أطلقت تحذيرات للمشتركين إلى ضرورة وضع ضوابط للنشر وعدم النشر وعدم الركون للثقة الزائدة للداخلين في عالم التواصل الاجتماعي، وتحديدا عنصر الإناث للحذر خاصة في المجتمعات المحافظة، إلا أنّ شريحة لا بأس بها تقع بالمحظور في نشر مشاركات ذات خصوصية مرتفعة مثل صور وفيديوهات خاصة جداً، مما يفتح شهية القراصنة (الهكرز)، لا يخفى على أحد أن الإختراق يقود صاحبه للقضاء والمحاكم، خاصة أن هنالك وسائل لمعرفة من يخترق ومنطقتهم من قبل دوائر الأمن الشرطية التي أصبحت تواكب الجرائم الإلكترونية، وتصدر أحكاماً لاحقاً بحقهم.

 

-         الخلاف والتفسخ الأسري:

يؤدي الاستخدام الخاطئ لتلك الشبكات إلى تفكيك الأسرة في حالة بناء علاقات خارج إطار الزوجية، من خلال نسج علاقات محرمة أو استغلال قاصرين أو قاصرات مما يفكك أركان تلك الأسرة، ويؤدي إلى الطلاق كأحد إفرازات تلك العلاقات السلبية المتاحة في العالم الافتراضي، خاصة في الجوانب الاجتماعية ومنها الطلاق الذي يخلف آثاراً جانبية ضارة، إن اكتشاف أحد أطراف الأسرة خاصة الزوجين لعلاقة ما مع شريك آخر يفتح الباب أمام وقوع الطلاق لعدم تقبل المجتمعات المحافظة لهذا النوع من العلاقات، وقد تؤدي وجود علاقة تعارف فقط بين جنسين مختلفين وتبادل الحديث المطول على الشبكة العنكبوتية إلى وقوع الشك بين المتزوجين وتقود في النهاية في حالة تكرارها، واستعمال عدم الثقة إلى حدوث الطلاق.

 

-         التواطؤ مع الأعداء:

نتيجة الجهل وعدم التوعية يسقط العديد من النشطاء والفاعلين في شبكات التواصل الاجتماعي في حبائل جهات معادية مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر مع أطراف معادية لأمة وشعب هؤلاء النشطاء، مما يحولهم إلى أدوات دمار وتخريب لوطنهم، عبر إمدادهم بمعلومات ومعطيات هامة بعضها ذات بعد استراتيجي أو أمني أو عسكري. يقر الكثير من العملاء مع أجهزة ودول معادية أن سقوطهم الأمني جرى عبر محادثات أجريت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حيث غرر بهم وتم استدراجهم قبل أن يقعوا في المستنقع وأصبحوا أدوات ودمى بأيديهم، يكون الاسقاط باستخدام اشتراكات وهمية توهم الأفراد خاصة أنها تحمل أسماء لامعة أو صفات تغري الافراد على الدخول إليها والمشاركات فيها بكل أريحية، وتعد الاشتراكات والمجموعات الافتراضية على شبكات التواصل الاجتماعي مرفقاً لدوائر الأمن لمتابعة الخصوم والمعارضين على وجه التحديد وسائر آراء المواطن ومعرفة تطلعاتهم ورغباتهم، وأيضاً نقاط الضعف عندهم ما يسهل الإيقاع بشرائح مهمة منهم.

-         الغش والخداع:

يمارس بعض مستخدمي تلك الشبكات الغش والخداع مع الآخرين، سواء فيما يتعلق بالصفة التي يظهر فيها أو المضمون الذي ينشره، والذي فيه لون من ألوان الغش وعدم كشف الحقيقة ويخدع فيها الشخص أو الأشخاص المقابلين والمتابعين، وفي حالة تحويل بعض الصفحات لنشر الدعاية والترويج للمنتوجات، فإن القائمين عليها يمارسون الغش الواضح في محاولة للوصول إلى قطاع واسع من المشاركين، كما تبرز صور أخرى من الغش في تحريف مضامين تلك الصفحات، دون اكتراث لصحتها وآثارها.

 

-         فقدان المسؤولية المجتمعية: نتيجة بحث بعض النشطاء الالكترونيين عن الشهرة، ويسعى أصحاب الصفحات لزيادة المتابعين لصفحاتهم، فإنهم لا يكترثون بأضرار وآثار ومضامين ما ينشرون عن بيئتهم ومجتمعهم، لقد ساهمت بعض الصفحات وبعض النشطاء في إثارة القلاقل ونسخ العلاقات المجتمعية وإحداث شرخ بين أركانه، مما يعطي انطباعا بأنهم لا يكترثون، بأي نتائج لما ينشرون، وهدفهم الظاهر الشهرة والربح المالي.

الأطماع المادية في بيئة شبكات التواصل الاجتماعي:

بعد انتشار صفحات معينة واستقطابها لأعداد كبيرة من المتابعين، القائمون عليها يعملون على تحويلها إلى منصات إعلانية ودعائية، بهدف الربح المادي وفي فترة سابقة كان المردود كبيراً لتلك الصفحات، خاصة أن الربح المالي كان صافياً دون أي تكلفة تذكر، إلا أن تدخل أصحاب تلك الشبكات وتحكمها بالبيانات ووصول المنشورات للمتابعين حد من ذلك، وأجبر أصحابها على التنسيق مع إدارة تلك البرامج على اقتسام الأرباح، وعدم النشر الإعلاني إلا عبرهم.

 من اللافت أن بعض الصفحات كان يديرها فتية صغار، لكنهم كانوا أصحاب حظ بالشهرة وحصد أرباح مالية ليست بسيطة دون تعب أو جهد كبيرين، مقارنة بوسائل إعلام تقليدية تراجع مساهمتها في إقبال ومتابعة الجمهور، منها لصالح الإعلام الجديد، لا تتوفر معلومات دقيقة حول أسعار الإعلانات التي تبثها تلك الصفحات، إلا أن الدارج أن المشرفين على تلك الصفحات هم من يحددون السعر حسب ما هو معروض بالساحة الإعلامية، ومدى الإقبال وحجم المنافسة في الميدان.

 

تصنيف الصفحات والاشتراكات حسب التعامل مع الإعلانات:-

الصنف الأول:- صفحة أو اشتراك تابع لمؤسسة معروفة تستخدم تلك الصفحة كواجهة إعلانية ودعائية، إلى جانب أهداف أخرى الإعلانات منها تقتصر فقط على ما يتعلق بالمؤسسة التابعة لها.

الصنف الثاني:- صفحة أو اشتراك خاصة بأحد الأشخاص وبعد شهرتها عشرات أو مئات الآلآف من المتابعين، يستغلها كواجهة للإعلانات لتحقيق عائد مالي.

 

الصنف الثالث:- صفحة أو اشتراك لديه فكرة أو لون سياسي أو اجتماعي أو ثقافي، وتصبح صفحة واجهة للفكرة التي يدعمها دون البحث عن أي عائد مادي.

 

الصنف الرابع:- صفحة أو اشتراك تطلق لمرحلة ما ولفترة محدودة الغرض محدد مثل الصفحات التي تطلق لإنتخابات معينة أو لحملة ما أو لترويج لمرشح ما، وتغلق بعد انتهاء تلك المناسبة.

 

وسائل التحصين الأخلاقي في ميدان شبكات التواصل الاجتماعي:-

في ظل استعمال الظواهر السلوكية السيئة والسلبية في عالم استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، فإن اللجوء لنشر وسائل التحصين الأخلاقي للمستخدمين تعد مطلبا هاماً حتى تتوقف التصنيفات لغلبة الجانب السلبي على الجوانب الايجابية لهذا الميدان. رغم حداثة ميدان التواصل الاجتماعي الذي يعود انطلاقته البارزة عام 2004 ، إلا أن الأصوات الداعية للرقي بهذا الميدان ومعالجة الآثار السلبية الناشئة عنه تتعالى، وتتزايد بشكل لافت في كل المحافل الدولية والعالمية من أجل وضع ضوابط وآليات ترفع مستوى الايجابية والأخلاقية بين أركان المجتمع الافتراضي في الكثير من المجتمعات بدأت المواقف الناظرة لعالم شبكات التواصل الاجتماعي، نظرة سلبية للآثار الفاسدة التي يتم تسليط الأضواء عليها بكثافة ورفعت منسوب التوجس والابتعاد عن العبث والتعاطي مع برامج التواصل الاجتماعي القديمة والجديدة، وتقدم النصح للأصدقاء والمعارف بالابتعاد عنها، والبحث عن بدائل للتواصل مع الآخرين.

أما الوسائل للتحصين الأخلاقي فمنها:-

أولا: التحصين الديني والقيمي في وجدان المشتركين والمنتفعين لهذا الميدان قناعة وسلوكيا وعمليا يعني تكاملاته مع الآخرين، وفقا لقواعد الاديان السمحة التي لا تجيز الكذب والنفاق والتهويل والتخوين والاغتصاب والقتل، وغيرها من الممارسات والمعاملات السيئة والمرفوضة، فالأديان ومن خلالها كتبها السماوية ورسلها وأنبيائها وتراثها تقف سدا ضعيفا أمام الأشكال السلبية في العلاج بين البشر، بالتالي تحصيل الفرد الانخراط في السلوكيات السلبية.

ثانيا: الالتزام القانوني بالتشريعات والنظم السائدة: تعد القوانين والتشريعات والنظم يعد وجود المجتمعات والدول وبدونها لا يمكن أن تكون لها قابلية أو استمرارية. وأوضح ذلك أمر في غاية الأهمية والتسليم في الوقت الراهن، وبالتالي لا يغيب عنها وضع تشريعات تنظم كل شيء بما فيه الاستخدامات بأي وسائل وأدوات، بعدما أصبحت قدرة تكنولوجيا الاتصال تخيم على عالم العلاقات بين الأفراد والجماعات بل وبين كل بقاع المعمورة، وفي ظل وجود أكثر من خمس سكان المعمورة في بيئة شبكات التواصل الاجتماعي، فإن وضع ضوابط والالتزام بها يعد معلماً وركناً أصولياً لا مفر منه في كل المجتمعات والأمم.

وهنا ينبغي أن يشعر المستخدم والمتفاعل في برامج وأدوات التواصل الاجتماعي، أن هناك متابعة قانونية لأي ممارسة يلجأ إليه، خاصة من الزاوية السلبية، وعليه أن يكون جهازا لدفع الثمن في إطار ذلك.

 والمتتبع لسياسة تعامل قوانين وتشريعات الدول للسلوكيات في عالم التواصل الاجتماعي يلاحظ الآتي:-

-         تأخر إصدار تشريعات معنية لممارسات والسلوكيات الأخلاقية في ميدان شبكات التواصل الاجتماعي .

-         التهاون في النظرة مع السلوك الخاطئ والعالم الافتراضي بسبب حداثة هذا الميدان والتقليل من الخطأ فيه بحجة أن يتم في عالم غير واقعي وغير ملموس.

-         صعوبة الحركة والمتابعة المشتركة في ظل المقدرة على استخدام الأسماء والاشتراكات الوهمية وعدم ربط الاستخدام بالبعدين الزماني والمكاني أو المستوى اللغوي لانتشار اللغات في العالم على نطاق واسع.

-         عدم وجود تشريعات للتعامل في الدول والأقطار لكيفية التعامل مع مرتكبي الجنح والجرائم في المجتمع الافتراضي كما هو معمول به في الجرائم العادية والتعاون من الشرطة العالمية (الانتربول).

-         ضعف التوعية القانونية والقيمية لآليات التعاطي مع أدولت وبرامج التواصل الاجتماعي.

-         وجود ثغرات في برامج التواصل تمنع تطبيق الكثير من القوانين والتشريعات، وتعد مدخلاً للتهرب من المسائلة والملاحقة القانونية.

-         عدم المقدرة على تحديد فئة مهنية تمارس النشاط في بيئة التواصل الاجتماعي وانفتاح كافة شرائح المجتمعات للاستخدام، وبالتالي لا يمكن تصنيفهم ضمن أصحاب مهنة معينة يتم التعامل معهم بشكل واضح، مما يصعب على منفذي القوانين والملاحقة والمتابعة.

-         عدم المقدرة على تعميم بعض التشريعات المعمول بها في بعض الدول للسلوكيات الخاطئة في شبكات التواصل الاجتماعي، بسبب الاختلاف والاجتهاد في النظر إلى تلك السلوكيات ونظرة البعض أنها جزء من حرية الرأي والتعبير والرؤية الشخصية، وبالتالي عدم المقدرة على التعميم ونقل التجربة القانونية والتشريعية.

 

أهمية وجود قوانين وتشريعات:-

لا يمكن لأي مجتمع أن يستقر وضعه بدون وجود قوانين وتشريعات خاصة فيه لحل تسارع التطورات الحديثة في مجال الاتصال التي تركت آثاراً وتداعيات خلقت أوضاعاً غير اعتيادية، أضحت تتطلب انبثاق القوانين والتشريعات، قد يخشى البعض من أن القوانين والتشريعات قد تحد من حرية الرأي والتعبير وتمارس الرقابة والمتابعة.

 لكن الكل يتفق أن لا تعارض في حالة التطبيق الصحيح لتلك الأنظمة والقوانين وبين الحريات، نتيجة الانتقادات اللاذعة للممارسات السلبية والخاطئة في بيئة شبكات التواصل الاجتماعي، فقد أضحى إطلاق حقيبة من التشريعات والقوانين التي الاستخدام الصحيح واللائق لها وطغيان الالتزام الأخلاقي بالنظم والعادات الايجابية التي تكفل حقوق وأعراف المجتمعات، يعد مطلباً حيوياً خاصة في الدول والمجتمعات التي باتت تخشى استفحال الظاهرة القائمة فيها.

 

تجارب الآخرين:-

لا خير في الاستفادة من دراسة الدول والمجتمعات التي كانت سباقه في تغليف الاستخدامات الواسعة لشبكات التواصل الاجتماعي، وما انبثقت عنها من تشريعات وقوانين تكفل الجوانب الأخلاقية في بنيتها، بعيدة عن الانزلاق في الانحرافات السلوكية والمجتمعية لتكفل الالتزام وتحفظ تماسك أركان المجتمع.

لقد سجلت المحاكم في العديد من الدول المتقمة وأبرزها الأوروبية والأمريكية تعاطي جهازها القضائي بملفات تحمل ممارسات اجتماعية خاطئة في المجتمع الافتراضي، كالاتجار بالبشر ونشر المخدرات للقاصرين والقرصنة، وتم التعامل معها انطلاقاً من الفهم الواعي والتشريعات القانونية بغض النظر عن البيئة التي تم فيها ارتكاب الجرم أو الجنحة سواء في الواقع العملي أو الافتراضي في ظل توافر أدوات إثبات ذلك، وهذا متوفر في تلك الدول عبر آليات علمية وتقنية واسعة، ويمكن للمجتمعات النامية والدول العربية التعامل مع النصوص التي أقرتها الدول الأخرى، كأنها تشريعات منبثقة من واقع التجربة والاستفادة منها في اخراج لوائح تشريعية وأخلاقية والالتزام بها والالتزام الأخلاقي بين الواقع والمجتمع الافتراضي.

لا يمكن القول أن التشهير أو القدح بشخص ما يختلف بين أن يغلق إنسان ما في العراء وبشكل وجاهي، وبين آخر يكتب على صفحته أو اشتراكه في إحدى شبكات التواصل الاجتماعي، أو كان الخلاف في طريقة اثباته بالقراءة لا لأدلة.

فعندما يتهم مستخدم بذم وقدح المقامات العليا في الدولة على اشتراكه وباسمه العلني، فانه يصبح ملاحقاً قانونياً كأي جاني مارس ذلك في الواقع العملي، ومعاقبته وفقاً للقوانين التي تنص على معاقبة مقترفي تلك الجريمة أو الحجة.

على المستخدم للشبكات الاجتماعية أن يدرك أن العبارات التي يطلقها في مجتمعه الافتراضي، قد تصل إلى إضعاف العبارات التي يسمعها صديق أو عدد محدود من الأصدقاء في مقهى أو عبر مذياع محلي، وبالتالي دلالات ومخاطر آثار تلك العبارات تكون أكثر من النموذج السابق.

 

فالسلوك تجاه الآخرين ينبغي أن يكون التزاماً نابعاً من مكنوناته والتي يتم ترجمتها في ميدان الشبكات سواءاً بالكلمات أو التصريحات والرسوم والصور والفيديوهات، ومما يجعلها انعكاساً للناشئ عنها سواء سلباً أو إيجابا، دون النظر على البيئة التي تطلق فيها.

 

إن فقهاء القوانين والتشريعات لن يجدوا مفرا من البحث ونصوص توضيحية في حالة وجود خلاف قانوني في النظر لتلك الجرائم والممارسات الخاطئة، والبث بها انطلاقاً من فهم القوانين المعمول بها في كل دولة أو كيان.

إن الشكل الايجابي للاستخدام لا تختلف عليه المجتمعات، بغض النظر عن طبيعتها ومنطلقاتها اللاتينية أو الدينية أو الجغرافية، فاحترام خصوصية الفرد وعدم التعرض له والمس به لفظاُ ولا رمزاً وتلميحاً تعد قواسم مشتركة مخالفتها والعمل بعكسها يوقعه في ممارسة خاطئة، ستقوده إلى المساءلة القانونية والأخلاقية سواء بشكل منفصل أو معاً.

 

تعالي الأصوات المستهجنة للإنحدار في عالم الشبكات الاجتماعية:-

تتعالى الأصوات الرافضة والمستهجنة للانحدار والتراجع الأخلاقي في عالم وبيئة شبكات التواصل الاجتماعي، جراء الاستخدام السلبي للخدمات التي يقدمها في العلاقات والاشتباك الاجتماعي في المجتمعات، بغض النظر عن تلاوينها أو أبعادها الجغرافية والدينية والاقتصادية.

لم تكن المواقف والتقييمات عالية الوتيرة في العقد الأول لانطلاق وانتشار تلك الشبكات، لكنه، ومنذ السنوات الأولى في العقد الثاني أصبحت الأصوات متزايدة وترتفع بشكل كبير ولافت، حتى وصل الأمر إلى دق ناقوس الخطر من صناع القرار والنخب المجتمعية والإعلامية، مما جعل المواقف تسيطر على أطراف العلاقة سواء أصحاب ومديري تلك الشبكات أو المستخدمين بغض النظر عن آليات الاستخدام.

المواقف تجاه الأصوات المستهجنة للاستخدام السلبي:-

-         الدعوة لمقاطعة تلك الشبكات والبرامج وعدم التعاطي معها مطلقاً إدراكا من وجهة نظرهم بالسلبية المسيطرة على الاستخدام، وما ينبثق عنه من سلوكيات ونتائج.

-         تقنية الاستخدام بالحد الأدنى وضمن ضوابط ومحددات لها ارتباط بالوقت والموضوع بحيث يكون الاستخدام محدود ومنضبط.

-         تأييد الأصوات المنادية بتقييم الاستخدامات بشبكات التواصل الاجتماعي وعدم القبول بالواقع الراهن، والذي يغطي مجالاً واسعاً بالاستخدام دون قيود أو ضوابط.

-         البحث عن بدائل عن التواصل الاجتماعي بين الأفراد والمجموعة تتعدى الخط الافتراضي الذي خلقته شبكات التواصل الاجتماعي.

-         إطلاق مجموعة ناشطة لتهذيب الاستخدامات لشبكات التواصل الاجتماعي والانضمام إليها أو المشاركة بفعاليات وأنشطة لتحقيق أهدافها النبيلة.

-         التوجه إلى رجال الدين من أجل حثهم للدعوة للاستخدام الايجابي لشبكات التواصل الاجتماعي، والحد من الانحدار الأخلاقي الحاصل في بيئة المجتمع الافتراضي.

 

طبيعة الجهود الداعية لتهذيب الاستخدام الاخلاقي للشبكات:-

في ظل الدعوات والاتجاهات لتهذيب الاستخدام الايجابي للشبكات والتواصل الايجابي، والعمل لوأد والحد من الاستخدامات المنحرفة والسلبية لتلك الشبكات، فإن مقداراٌ من الأهداف قد تحققت حتى اللحظة، لكنها لم ترتقي بعد إلى مستوى ضبط البيئة الراعية لهذه الشبكات، لأسباب وإشكالات متعددة.

ويمكن النظر إلى تلك الجهود وتصنيفها بالآتي:-

-         المطالبة بسن قوانين وتشريعات تحدد آليات ومعايير الاستخدام لتلك الشبكات، وتحدد اللوائح القانونية في التعامل معها حقوقاً وواجبات وانعكاس ذلك تشريعاً وقانوناً.

-         إطلاق مبادرات نحو ثقافة واعية نحو استخدام ايجابي وأخلاقي سواء بالمضمون المنشور أو آلية الاستخدام وشكله.

-         عقد ندوات وورشات عمل لتنظيم الواقع الحاصل في المجتمع الافتراضي، والخروج بتوصيات لمعالجة الآثار السلبية للاستخدام وإثراء الاستخدامات الايجابية.

-         اشتراك المؤسسات الإعلامية التقليدية والأطر النقابية الإعلامية والمؤسسات الإعلامية الأكاديمية في تقييم الظاهرة وإبداء آرائها في معالجة تداعيات ذلك. وقد ساهمت تلك المؤسسات بالفعل في دراسة الظاهرة، ومحاولة الفصل بين الممارسة الإعلامية المهنية، واستخدام البعض لوسائل التواصل الاجتماعي كواجهات إعلامية.

-         دعوة الشركات المزودة للانترنت باجتماع أساليب تقنية لمواجهة بعض أشكال الانحدار في أشكال معينة من شبكات التواصل الاجتماعي والتقليل من آثارها السلبية.

-         دعوة أذرع الأمن إلى فرز جهات متخصصة لمحاربة الجريمة المنفذة في المجتمع الافتراضي والناشئة عن الاستخدام السلبي للشبكات الاجتماعية. وقد حققت الكثير من الدول شوطاً لا بأس به في ذلك عبر إطلاق أجهزة لمكافحة الجرائم الإلكترونية وملاحقتها. ويلاحظ هنا أن بعض البلدان تركز في هذا المجال على الملاحقة الأمنية على أساس سياسي وليس الجنائي، خاصة في الدول التي تسودها أنظمة دكتاتورية.

 هل يمكن الحد من الانحدار الأخلاقي :-

بالإمكان الحد من الانحدار الأخلاقي جراء الاستخدام السلبي الخاطئ لشبكات التواصل الاجتماعي، بإتباع وسائل عديدة ومختلفة، تؤدي بالنهاية إلى التقليل من الآثار الضارة وتعزيز الاستخدام الايجابي.

إن تكاثف الجهود بين كل أصحاب العلاقة والتأثير، تقود لتحقيق الأهداف للحد من أي شكل من أشكال الانحدار، عبر تبادل الأساليب والطرق لتعزيز الجوانب والاستخدام الصائب البعيد عن كل شائبة أو منحى سلبي.

مارست عدة دول وجهات ووسائل مختلفة لتحقيق رؤيتها بكبح الانحدار الأخلاقي في استخدامات البعض للشبكات الاجتماعية، وتمكنت من ذلك سواء بالإرشاد والإقناع أو بالضوابط التقنية والفنية.

تحظر غالبية دول العالم نشر صور إباحية وخادشة للحياء على صفحات إجتماعية وإعادة تداولها، خاصة لمن هم تحت سن الرشد وتوجه تهم الاستغلال لمن يروج لذلك، خاصة من البالغين رغم أن هناك برامج ووسائل تقنية قرصنة، تمكنهم من التحاليل على وسائل الضبط والمراقبة.

 إن نجاح الكثير من التجارب في هذا المضمار تتطلب تعميمها في بيئات ومجتمعات أخرى والاستفادة من ذلك، من باب نقل الحكمة والفائدة للجميع كي يتطلب الاستعانة بأصحاب الخبرات والمختصين، والاستفادة من مقدرتهم على وضع تصورات تساهم في الحد من السلبيات و الانحدار السلبي.

رغم النجاح الذي حققته بعض المجتمعات والكيانات في هذا المنحنى، إلا أن إخفاقات ما تزال حاضرة في بلدان أخرى، فيما يزيد من تفاقم الأمور فيها، ويواصل مسلسل الانحدارات بأن مواجهة المخاطر الناشئة عن الإفرازات السلبية ذات البعد الأخلاقي للإستخدامات المكثفة والمتشعبة لشبكات التواصل الاجتماعي في غاية الأهمية، والمطلب الحيوي الذي يحظى بتوافق واسع من أجل إقراره وإحقاقه دون مؤاربة او تمييع بسبب مخاطرة الجمة .

 

 

*مخاطر استمرار الانحدار الأخلاقي:-

لا يختلف اثنان أن استمرار الانحدار الأخلاقي في بيئة وعالم شبكات التواصل الاجتماعي يحمل في طياته مخاطر جمة، ليست على الحاضر البشري، بل ومستقبل الأجيال القامة لأن تأثيراته لا تقتصر على أبعاد صغيرة ومحدودة، بل تتعداها إلى مساحات واسعة من التأثيرات الكبيرة والعميقة.

ومن أبرز المخاطر الناجمة عن ذلك:

-         ضرب التماسك الاجتماعي والنفسي للمجتمع جراء استفحال الظواهر السلبية الناجمة عن الالتزام بالبعد الأخلاقي والقيمي.

-         صعوبة المعالجة المستقبلية للأضرار الناشئة أخلاقياً جراء الهدم القيمي في المجتمعات بحيث يتطلب ذلك جهوداً خفية لا يمكن التكهن بنجاحها.

-         إضعاف المبادرات الايجابية الداعية لاستخدام أمثل وأنجح للشبكات والأدوات في البيئة الافتراضية.

-         تثبيت واقع أليم وفرض أجندة لآليات الاستخدام للشبكات الاجتماعية بعيداً عن الضوابط الأخلاقية.

-         انتشار ألوان وأنواع جديدة من الجرائم والجنح التي لم تكن معروفة من قبل والتي تغزو لإفرازات العالم الإلكتروني والافتراضي.

-         إضعاف الوازع الديني الكفيل بتحقيق الالتزام بالضوابط الأخلاقية التي يدعو لها الدين من خلال استفحال السلوكيات الخاطئة.

-         وتشويش المسيرة التعليمية سواء في المدارس أو الجامعات بسبب ضرب الأركان الأخلاقية الأساسية في العملية التعليمية وإضعاف الاحترام داخل المؤسسة التربوية والأكاديمية.

-         اضعاف دور الأسرة في متابعة النشئ وتهذيب سلوكه بسبب التأثيرات الكبيرة التي يتعرض لها في البيئة الافتراضية.

-         إفساح المجال للاختراقات الأمنية الخطيرة داخل شرائح في المجتمع خاصة المراهقين الشباب واستغلال ذلك لتحقيق مآرب شتى.

وهذا يؤدي إلى إضعاف البنى المجتمعية، ويحقق أهداف الأعداء في ضرب النسيج الوطني والقيمي.

 

يتبع

 

المزيد من الصور
دور شبكات التواصل الاجتماعي في مواجهة مظاهر الحقد والعنصرية د. أمين أبو وردة
دور شبكات التواصل الاجتماعي في مواجهة مظاهر الحقد والعنصرية د. أمين أبو وردة
تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017