تقرير مريم شواهنة
من يعش طويلا ً يرَ كثيراً، وفي العادة، يترافق النسيان مع الكبر، ينسى بعض كبار السن أبناءه وأحباءه ويعجز عن تذكر أهم أحداث حياته ؛ لكن (115 عاماً ) كن كفيلات بأن يرى فيهن الحاج سليمان حسين شواهنة تتابع العهود على فلسطين دون أن ينسى أغلب الأحداث وأبطالها، من بلدة كفر ثلث قضاء قلقيلية، يحدثنا سليمان عن حياته منذ الطفولة وحتى الآن.
طفولته في العهد التركي
يذكر طفولته حيث كانت فلسطين خاضعة للحكم التركي. يقول الحاج سليمان: "كنت صغيراً فلم أخدم في الجيش التركي إذ كان عمري بين 12 – 15 سنة لا أذكر بالضبط، ولكن كان الجيش التركي يريد أن يأخذ ابن عمي للخدمة فلم يجده فأخذوني ومجموعة غيري لنسير مع قافلة الجيش وفي حال وجود صخور تمنع عربات الجيش من المرور كنا نعزل الطريق، لا زلت أذكر الضابط المسؤول الذي كان يدعى "نظمي" ويعطينا مقابل عملنا هذا "سكسليات" و "متاليك" -وهي عملات تركية تداولت قديماً –.
وأضاف: "كان يوجد للجيش التركي أكثر من معقل في بلدتنا فيها مؤن وأسلحة وخيول، كانت الوسيلة التي يستخدمها الجيش للتنقل: الخيول وهي مخصصة للمراتب الرفيعة في الجيش فقط، والعربات تجرها جواميس لعناصر الجيش، كان الجيش التركي يقطع بعض أشجار الزيتون ويتخذها حطباً ليحضروا الطعام".
بعد أن انسحب الأتراك من البلدة إلى بلدة عزون المجاورة لكفرثلث بسبب دخول الإنجليز للبلدة – أي كفرثلث - الذين بدأوا بتنفيذ إعدامات بحق أهالي البلدة ارتقى فيها عدد من الشهداء.
يقول الحاج: "بدأت المعركة من العريش في مصر، إذ ضرب الإنجليز مواقع في "وادي الرشا" بالمدفع مدمرين المدفع التركي الموجود في الموقع".
ولا يزال الحاج سليمان يحفظ أبياتا شعرية وأغان تراثية قديمة، "أعدلك بالتركي؟" سألني الحاج وبدأ يسمي الأرقام باللغة التركية، إذ ما زال يحفظها حتى الآن، كما يحفظ كماً من المفردات والمصطلحات باللغة التركية.
مجيء الإنجليز للبلدة
بعد انسحاب الأتراك أحاط الإنجليز بالبلدة من جميع الجهات، اختبأ الجميع، إلا أن "أحمد حامد شواهنة" قرر الهروب إلى الواد الغربي فاغتالته طائرة إنجليزية، كما أعدموا "عبد الله قصاص"، في حين اختبأ جميعنا في بيت من بيوت البلدة.
"أذكر أسماء ثوار فلسطينيين كانوا يقاتلون الجيش البريطاني"، يقول سليمان، " مثل فارس العزوني الذي أصيب في مواجهات مع الإنجليز إلا أن رفاقه تمكنوا من إسعافه، وعارف من طولكرم الذي كان من قادة الثورة، وحمد من زواتا (غرب نابلس)، الأخيران كانا يتمركزان في مكان يدعى (العلّية) في بلدتنا ".
معالم تغيرت
يروي الحاج شواهنة تفاصيل عن أماكن تغيرت معالمها فلا اسمها بقي ولا أصحابها حتى ! يذكر منطقة "كم الحلو" التي زارها مرات والآن أصبحت مغتصبة جاثمة على أراضي قرية سنيريا - جنوب كفرثلث - تدعى " القنا" التي ما زالت في توسع مستمر مبتلعة الأرض والذكرى... محاولة إلغاء الماضي وبناء مستقبل آخر لا وجود للفلسطينيين وذكرياتهم فيه.
الحياة ً كانت أبسط وأجمل
كم كان مهر زوجتك – رحمها الله - ؟ فأجابني: "ولا إشي، فقد تزوجت بدلاً وفي البدل لا يُدفع مهر للعروس، وحتى دون أن يكون البدل كان العريس لا يدفع مهراً، فكل ما كان يريده الأهل الستر وفقط، وكنا نعيش حياة جميلة وهادئة ولا يوجد مشاكل"، مضيفا: "كنا فقط نجلب للعروس صندوق خشب من اللد لتضع به ملابسها، وصندل أحمر اللون، وإذا كانت العروس من بلد آخر نخرج لنجلبها على جِمال".
يقول الحاج سليمان: "كنا جميع شباب البلدية حال وجود عرس نصعد الجبل لنجمع أكبر قدر من الحطب والنتش – عشب ينمو في جبال فلسطين- ؛ لنضيء بها أثناء حفلة الرجال في الليل ونسهر الليل ونحن ندبك ونغني، وكانت النساء يوقدن مشاعل ويذهبن لبيت العروس، كان من أجل أن يتم عرس شخص من البلد يشارك الجميع بكل حب ووئام".
"صحيح أنني الآن متعب ولا أقدر على المشي، إلا أنها الحياة يا ابنتي وهذا رضا من الله، رضا وليس غضباً"، بالسلام والترحيب و بهذه الكلمات انتهت مقابلتي مع الحاج سليمان وأتيحت لي فرصة الحديث مع من يكبرني بقرن إلا أعواماً قليلة – أدامه الله وأطال عمره-.