كتبت: ساجدة أبو حمدان
على تلة مرتفعة وعلى بعد 4 كم من بلدة برقين، تتربع كنيسة القديس جورجيوس أو كنيسة برقين، وهي رابع أقدم كنيسة في العالم، من مدخلها تصافحك رائحة الشموع والبخور، وتشهد عينيك على قدم حجارتها، إذ بنيت في العهد البيزنطي، وشهدت معجزة السيد المسيح بشفاء العشرة البرص.
بنيت الكنيسة بداية القرن الرابع الميلادي، وهدمت عدة مرات، وتم ترميمها، وشكلها الحالي هو منذ العام 1300م، وأجريت عليه بعض التصليحات، وتتبع الكنيسة للروم الأرثوذكس، ويمكن للزائر تمييز ذلك لوجود جدار "قدس الأقداس"، الذي يفصل بين الهيكل وبقية أجزاء الكنيسة.
يقول المسؤول عن الكنيسة من بطريرك الروم الأثوذكس معين جبور: "الأساس في الكنيسة هو المغارة التي عُزل فيها عشرة أشخاص أصيبوا بداء البرص، تسعة منهم كانوا يهوداً وواحد سامري، وفي أعلى المغارة طاقة كان ينزل الناس من خلالها الطعام والشراب لهم، وكان في ذلك العهد يعتقد اليهود أن أي شخص مصاب بمرض فهو مضطهد ويجب عزله، لأنه مصاب بخطيئة حملها من والديه، وإذا مشى في الطرقات عليه أن يمسك جرساً كي يعلم الناس بوجوده وويبتعدوا عنه".
"وخلال مسار سيدنا عيسى الذي كان له مساران وهما الناصرة – برقين – القدس، أو الناصرة – أريحا – القدس، سمع العشرة بقدومه، وكانوا قد سمعوا بمجزاته السابقة، فصاحوا ونادوا "يا معلم ارحمنا"، فقال لهم "اذهبوا فأروا أنفسكم للكهنة"، وكان الكهنة هم من يحددون أنّ هذا الشخص سليم ويستطيع العيش مع الناس أم لا، وخلال ذهابهم إليهم لاحظ العشرة أن البرص اختفى منهم، فعاد السامري وحده ليشكر السيد المسيح، فأصبح هذا المكان مقدساً" يضيف جبور.
ويؤكد أن الناس الذين اعتنقوا المسيحية قاموا بتوسيع البئر فيما بعد، وحولوه لكنيسة بدائية، ولكنه بقي مغلقاً، وبدأوا يُصلون فيه بالخفاء، لأنه كان هناك اضطهاد من الرومان واليهود لمن يعتنق المسيحية.
ويتابع: "استمر المسيحيون بالصلاة فيه بالخفاء حتى عام 325م، حين اعتنقت الملكة هيلانة وابنها قسطنطين الديانة المسيحية، وعند زيارتها للكنسية عام 366م، بعد أن علمت بالمعجزة التي حصلت فيه، أمرت بفتح البئر وتوسيع الكنيسة.
وتتزين الجدران الداخلية والخارجية للكنيسة بلوحات زيتية وحجرية للسيد المسيح، وللقديس مار جرجس، وللعشرة البرص، وفي كل زاوية فيها مجموعة شموع، والصليب معلقاً او موضوعاً في مكانٍ مرتفع.
ويعود جدار" قدس الأقداس" الذي يفصل بين الهيكل (المكان الذي تقدم فيه القرابين للرب)، وبقية أجزاء الكنيسة، للقرن التاسع الميلادي، وبقي على حالته منذ بناءه زمن الملكة هيلانة، وهو مصنوع من الحجر، أما بقية الجدارن في الكنائس الفلسطينية الأخرى فهنّ مصنوعات من الخشب.
أما كرسي البطرك الواقع إلى جانب المغارة، فيعود للقرن الرابع الميلادي، وهو مصنوع من الحجر، ويتفرد بهذه الميزة على عكس الكراسي الموجودة في الأماكن المقدسة المسيحية الموجودة في فلسطين المصنوعة من الخشب.
ويؤكد جبور أنّه خلال الإصلاحات التي جرت على الكنيسة في العام 2010م، عثروا أسفل البئر على رفات لثلاث خوارنة وطفل صغير، وأثبت فحص الـDNA في جامعة النجاح الوطنية أنهم مدفونون منذ 500عام، ووجد معهم بعض الآثار المتمثلة بإنجيل باللغة العربية، صليب خشبي، قناديل رومانية، ختم بيزنطي، وزجاجتي زيت مقدس لا زالتا ممتلئتين حتى اليوم، وميداليات كانوا يضعونها، وضعت جميعها في صندوق زجاجي مرتفع عن أرضية المغارة.
وخارج الكنيسة في حديقتها، هناك بئر روماني تحت الأرض مكون من ثلاث غرف، وله بابين، وتم اكتشافه خلال التصليحات التي حدثت في العام 2007م، وكان يختبئ فيه المسيحيون المعتنقون للمسيحية زمن الرومان في القرن الأول الميلادي.
وبجانب الكنيسة هناك كنيسة صغيرة أخرى، كانت أول مدرسة في برقين، وبعد أن حدثت فيها معجزة تحولت لكنيسة، وبحسب الحجر الموجود باب الكنسية الصغيرة المكتوب عليه "أعجوبة القديس جاورجيوس"، تذكر القصة أن أحد الطلاب كان مشاغب جداً، فعاقبة المعلم بتركه بالمدرسة وإغلاق الباب عليه، والذهاب لرحلة ترفيهية برفقة الطلاب، فظل الطالب يشتم ويلعن المعلم، فظهر له القديس جاورجيوس فوبخه، وقال له ستبقى أخرساً حتى يأتي المعلم ويسامحك، وعندما عاد المعلم والطلاب، كتب لهم على ورقة ما حدث معه، فسامحه المعلم، وعاد يتحدث.
وخلال تجوالنا في الكنيسة رافقتنا مجموعة دهليز الملك النشطة في مجال تشجيع السياحة والمسارات البيئية، والتي تضم يزن سلامة ونور سمير وعارف جلامنة، وأكد سلامة وجود حركة سياحية إلى الكنيسة، ولكنها تتسم بقلة الأعداد الوافدة، سواءاً الداخلية أو الخارجية.
ويرجع ذلك لعدة أسباب منها قلة الوعي بأهمية الكنيسة، وعدم معرفة معلومات عنها وعن تاريخها، بالإضافة إلى دور الاحتلال الاسرائيلي بعدم ادراج كنيسة برقين ضمن الأماكن السياحية، وإذا زارها السياح فإنهم يزورونها بسرعة، ولا يتسنى للأدلة السياحية الحديث عنها.
ويشير سلامة إلى أهمية زيادة الوعي عن الكنيسة بالمجتمع المحلي، وخصوصاً في المدارس والجامعات والمؤسسات، وتنظيم رحلات إليها، وإرفاق الكنيسة كمعلم سياحي في المناهج الفلسطينية، وذكر تاريخها ومعلومات عنها، مؤكداً أنّهم كفريق يعملمون لإدراج قرية برقين كمكان سياحي في الخريطة السياحية العالمية. تم اعداد التقرير خلال جولة اصداء برعاية شركة مصنع الخلود للمفروشات.