الرئيسية / الأخبار / فلسطين
27 عاما وما زال قلب نضال ينبض أملا بسماع كلمة "بابا" كتبت غيداء نجار
تاريخ النشر: الأربعاء 06/04/2016 16:22
27 عاما وما زال قلب نضال ينبض أملا بسماع كلمة "بابا" كتبت غيداء نجار
27 عاما وما زال قلب نضال ينبض أملا بسماع كلمة "بابا" كتبت غيداء نجار

"بابا! ماما!" كلمات لا تغادر ذهنه، لطفل يركض ويلعب في زوايا البيت، يسمع ضحكاته، يلحظ سعادته، يمسح دموعه ويراضيه وقت حزنه، يرقبه كي يكبر ليدله على طريق الصواب والخير بعيدا عن ارتكاب المعاصي، إنه نضال خليل الذي يبني خيالا لطفل لم يأتِ منذ أكثر من 27 عاما حتى الآن.

"أنتظر ذلك اليوم الذي سأسمع فيه كلمة بابا، أراها وهي تخرج من شفتيه، أراقبه يحبو إلي ببسمة بريئة مفعمة بالأمل، وأنتظر أن أضمه إلى صدري وأن لا أفارقه حتى موتي، أريد أن يملأ البيت أملا وفرحا، وأحلم أن يعيد الحياة لي ولزوجتي التي اكتوت بلوعة الانتظار بلا جدوى" بهذه الكلمات بدأ نضال (43 عاما) حديثه معنا، والذي يسكن في مخيم العين في نابلس، ويعمل موظف أمنٍ في جامعة النجاح الوطنية.

يتابع نضال حديثه بصوت متحشرج يتخلله الحزن "تزوجت عندما كان عمري 17 عاما، واكتشفت لاحقا بأنني عقيم؛ أي لا أنجب أبدا وهذه مشيئة الله، ولا اعتراض على حكم الله، ولا أقول سوى الحمد لله على كل حال".

وفي حديثنا مع نضال عادت به الذاكرة إلى عام 1999 "قررت أنا وعائلتي ان اتكفل بطفل فقدمت طلب في مديرية الشؤون الاجتماعية\نابلس، وحتى الآن لم يصلني الرد، ولم أزل أحمل غصتين: غصة افتقادي لطفل، وغصة تجاهل مطلبي الشرعي".

وفي أحد الأيام انتشر خبر عاجل على وسائل الإعلام  بأن طفلا حديث الولادة وجد ملقى على طريق قرية قوصين، وما أن رأى نضال صورة هذا الطفل رق قلبه وزادت نبضاته، وفي هذا الموضوع يقول "أحببت هذا الطفل وتعلقت به من خلال صورته، فأبديت رغبتي بتكفل هذا الطفل، فهو ولد بنفس شهر ميلادي، وأيضا هو صغير واذا تكفلت به سيكبر بجانبي ويقول لي بابا، أما بقية الأطفال الذين في الشؤون الاجتماعية أعمارهم فوق الخامسة، وبالتالي لن ينادوني ب (بابا) بل (عمو)".

على إثر هذا الخبر ذهب نضال حينها إلى الشؤون الاجتماعية في نابلس ليبلغهم عن رغبته بتكفل هذا الطفل، فأخبروه بوجوب تقديم طلب، فأخبرهم مباشرة بأنه قدم طلبا منذ عام 1999، ولكنهم قالوا له بأنهم لا يملكون أية أوراق تخصه، ومما اضطره إلى تقديم الطلب مرة ثانية، وأثناء خروجه من المديرية خرجت إليه المديرة وقالت له "أخبرتك بأنك لن تحصل على طفل حاليا وكلامي هو إلي بمشي" على حد قوله.

 

وفي مقابلة هاتفية مع مديرة الشؤون الاجتماعية في نابلس صباح الشرشير نفت ما سبق بشكل قطعي، وأنكرت تقديم نضال طلبا في عام 1999.

وتضيف الشرشير "هناك عائلات أخرى غير نضال خليل يرغبون بالتبني ونحن نمشي بالدور، ليس إذا احدث بلبلة بوسائل الإعلام يعني أن نسبقه على غيره باعطاءه طفل، عليه أن ينتظر دوره".

وتعليقا على حديث الشيرشير يقول خليل "أنا انتظر دوري منذ 17 عاما، كم سأنتظر أيضا، انا الآن بسن الأربعين متى سيحين دوري؟!! وانا بسن الخمسين أم الستين، أم عندما أكون قد كبرت وشخت ولا أقوى على اللعب مع ابني؟!".

 

لمعت عيون نضال، وتراءت الدموع لكنه منعها بابتسامة صفراء "لقد ترعرعت بدون أب، فقدت حنان الأبوة، كنت أتمنى ان أشعر بحنان وحب الأب، ولكن شاءت الأقدار أن يفترق والداي منذ كنت صغيرا، ولا أرغب لأحد أن يمر بمرارة فقدان الأب كالتي مررت بها، ربي لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين " متابعا حديثه.

 

هذا حال نضال، فقد عاش مفتقدا لدفء أبيه، والآن يصارع الأمل في الحصول على طفل يملأ حياته حنانا وحبه، ولا يريد لأي طفل أن يعيش لوعة الحرمان الذي عاشه.

 

لم يكن نضال وحده من يرغب بتكفل الطفل، فزوجته تمام خليل(42)عاما تشجعه على ذلك، فهي ترغب بأن تسمع كلمة "ماما"، وللأسف لم نستطع لقاءها لأنه بمجرد الحديث معها بخصوص موضوع التكفل تجهش بالبكاء.

 

17 عاما ونضال يتلقى الوعود يوما بعد يوم، وبنى على هذه الوعود جسرا من الأحلام، فقد اشترى مؤخرا سريرا وحليبا وملابس ووضعها في غرفة خصصها للطفل الذي سيدخل أعماق حياته، ورسم في مخيلته كيف سيشغل كل زاوية من زوايا البيت لهذا الطفل، ولم يكن يعلم بأنه بهذه الخطوة يعطي زوجته الأمل للحياة لسماع كلمة ماما، وفي حين لم يحدث ما حَلُم به انهارت نفسيا، ففي كل صباح ومساء ترى سرير طفل وحليبه وملابسه فتدخل في حالة اكتئاب بصحبة بكاء وانهيار عصبي يؤديان أحيانا لدخولها المشفى.

 

وبخصوص هذا الموضوع تحدثنا مع مفتي محافظة نابلس محمد يوسف لنرى رأي الشرع بكفالة اليتيم فيقول "مجهولوا النسب رعايتهم والحفاظ على حياتهم وتربيتهم وتعليمهم من أفضل الأعمال التي تعتبر قربة من الله سبحانه وتعالى وفيه أجر عظيم، ولكن بشرط ألا يكون ذلك عن طريق إلحاق الطفل مجهول النسب بالاسم الشخصي للمتبني فهذا أمر مخالف للشريعة الإسلامية، ولكن يجوز وبفتوى شريعة موثقة من دار الإفتاء الفلسطينية إلحاق الطفل باسم عائلة المتبني، ويوضع بعد الاسم الشخصي للطفل اسمين وهميين ثم اسم عائلة المتبني".

 

وبعد تواصلنا مع محامي نضال محمد مشعطي سألناه عن موضوع نضال فأجاب: "في البداية ذهبنا لمديرية الشؤون الاجتماعية بنابلس عند المديرة صباح الشرير، وأنكرت ان نضال قدم طلب سنة 1999، وقالت إذا كان لديه  أي إثبات بأنه قدم طلبا في عام 1999 سنتحمل المسؤولية، فذهبت إلى وزارة الشؤون الاجتماعية برام الله وأخبرتهم عن قصة نضال، وبعد فترة من البحث في ملفات التقديم وجدنا ملف نضال، عدنا عند الأستاذة صباح وأعلمناها بوجود الطلب الذي أنكرت وجوده، وأعلمناها برغبتنا بنقل ملف نضال إلى الوزارة برام الله، وقدمنا طلبا للوزارة لنقل الملف من نابلس إلى رام الله".

ويتابع مشعطي حديثه "الأستاذة صباح استغلت منصبها وحاولت إخفاء ملف نضال، وجاءها أمر بنقل ملف نضال إلى الوزارة في رام الله، وتماطلت من 20-25 يوما في نقل الملف، وهذا دليل واضح أنها غير ملتزمة بمنصبها ومسؤولياتها".

ومن الواضح أن جميع الشروط التي تفرضها الوزارة للموافقة على كفالة طفل توافقت مع نضال، ولكن نضال والمحامي مازالا لا يعلمان الأسباب المقنعة في عدم إعطاء نضال طفلا.

وعند طرحنا  على مشعطي سؤالا محيرا مفاده: بما أن هناك أعداد من الأطفال بالمركز يحتاجون لعائلات وايضا هناك عائلات ميسورة الحال قادرة على التكفل، فلماذا تأخذ المراكز فترة طويلة للموافقة؟  فإجب إن من مصلحة هذه المراكز أن تبقي الأطفال لديها لأنها تتقاضى مقابلهم مخصصات مالية عالية، فكل طفل يأتي من أجله  من الاتحاد الاوروبي ما يقارب ال3000 دولارا، وما يحتاجه الطفل في الشهر 400 دولارا فقط!".

 

ويقول مشعطي أنه يملك تسجيلا لمكالمة ومحادثة على الفيسبوك لمسؤولٍ في السلطة يطلب مبلغا ماليا قدره سبعة آلاف دينارا "رشوة" مقابل إعطاء نضال الطفل، وأضاف مشعطي أن إحدى الأجهزة الأمنية طلبت منه التسجيل ولكنه رفض ذلك، وفي حال طلبنا منه أن يسمعنا التسجيل رفض ذلك وقال أنه سيتم نشره في الوقت المناسب.

وعلى هذا الصدد يقول نضال "لست مجبرا أن أعطيه ذلك المبلغ، فمن حقي أن أكفل طفلا، ولكن بعد فترة يئست وقررت أن أدفع المبلغ مقابل الطفل الذي تم العثور عليه على طريق قرية قوصين، وبعد ذلك وردنا اتصال منه "المرتشي" يقول بأن هذا الطفل بالتحديد غير موجود في المركز، وأنه باستطاعته جلب طفلا آخر، وهنا ألغينا الموضوع".

 

السؤال هنا هو  أين الطفل؟ الطفل ليس موجود في مركز النور ببيت لحم وهو المكان الذي يضعون فيه الاطفال مجهولي النسب، كيف لطفلٍ أن يختفي عن الوجود هكذا ؟!!

"وبعد بحث معمق علمت من مصادر موثوقة بإن الطفل هو ابن لأحد المسؤولين والذي أقام علاقة غير شرعية مع إمرأة من عرب الداخل واستأجر لها شقة بالجنيد في نابلس، والطفل الآن مع أبيه الحقيقي" هذا ما صرح به مشعطي.

ومن الوسائل التي استخدمها نضال  لطلب المساعدة والمناشدة رَفْعُ كتاب رسمي لسيادة الرئيس ابو مازن ورئيس الوزراء رامي الحمد لله يناشدهم لمساعدته في تكفل طفل، وحتى الآن لم يصل لنضال أي رد على ذلك، ويحمل نضال المسؤولين والمؤسسات الرسمية مسؤولية عدم الاهتمام باحتياجه الانساني، ويعقب على ذلك "إلي إيدو بالمي مش مثل إلي ايدو بالنار".

 

 

 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017