قصة: آية عماد
بأناملَ رقيقة، وجسدٌ نحيل ذو القامة القصيرة أشبه بالأقزامِ السبع، وضمورٌ في الساقين جعلهم يحبون على الأرض طيلةَ سنواتِ عمرهم، لم تكن كل هذه المعاناة تحرمُ أشقاءً ثلاثة من التطلعِ إلى نهايةِ نفقٍ معتم يتخلله بصيصٌ من النورِ والأمل تنيرُ عقولهم الصغيرة بمواهبٍ عديدة وهبهم الله لهم، ليضعوا بصمتهم على مدارِ طريقهم الطويل، دون علمِ أحدٍ بهم.
نادية عصيدة أمٌ لثلاثةِ أشقاء هم (سلسبيل و عبدالله ومحمد) أصيبوا بمرض يدعى "تلين العظام" منذُ نعومةِ صغرهم مما تسبب لهم بإعاقة في الحركة بالجزء السفلي، فتسرد لنا نادية قصة أبنائها الثلاثة، قائلة:" بدأت علامات المرض جلياته بالظهور على سلسبيل بعد سن الـستة شهور، ولاحظتُ حينها بطئ في حركتها ولا تكسب شيئاً من أكلها، الأمر الذي جعلني أجري لها الفحوص بسرعة في مستشفى بنابلس".
لم تكن الأيامُ صادقة مع نادية بشأنِ طفلتها الأكبر سلسبيل، فبعد مرورِ أسابيع وفحوصاتٍ طبية لم توضح نوع هذا المرض، تكمل عصيدة حديثها قائلة "أخذتها إلى طبيب أسمه أحمد زعيتر برام الله نصحني فيه الناس، وأخبرني أنه (نقص كلس بالعظام)، ووصف لها أبراً لتتحسن ولكن لم يجدي الأمرُ نفعاً".
فأنجبت نادية طفلها الثاني عبدالله على أملٍ أن يكون سليماً معافى كغيره من الأطفال، ولا يخذلها القدرُ مرةً أخرى ويصيبه المرضُ ذاته، ولكي يطمئنُ قلبها عليه وهو في سن الثمانية أشهر، أخبرها الأطباء أنه لا يشكي من شيء.
غادرت المستشفى والسعادة تغمرُ ناظريها ببهجتها بولدها، ولكنها لم تكتمل، "عندما أصبح عمره سنة ازداد خوفي أكثر، لما رأيتُ حركته ترجع لورا"، هذا ما ذكرته عصيدة من دهاليزِ ذاكرتها الباكية.
جميعُ هذه المخاوف جعلت نادية تفكرُ كثيراً، و ينفذُّ صبرها على ما يجري لها دون معرفةِ السبب وراء هذا المرض، مشيرةً بقولها " لم يكن لدينا أي أمراض وراثية أو صلة قرابة ليصيب أبنائي بهذا المرض الذي لا أمل بشفائهم منه".
جاء مولودها الصغير محمد الذي سرعان ما هب في فؤادها شعورَ الأمومةِ المتبقيةِ من سنواتِ عمرها الطويلة، لكن أحلامها تبددت بالفشل هذه المرة، معبرةً بقولها "أحمدُ الله على كل شيء، وهم فلذاتُ كبدي وأملي بالبقاء".
وتقول نادية " وقتها ذهبتُ بأطفالي الثلاث إلى مستشفيات إسرائيل لعلاجهم، وأخبروني أنهم يعانون من تلين في العظام وهو مرضٌ نادر في مجتمعنا و ما إله علاج".
مواهب الإعاقة ..صميمُ الإرادة
من بين الأشقاء الثلاثة، سلسبيل ذات السابعة والعشرين عاماً لم تمنعها إصابتها بالمرض وحركتها البطيئة من ممارسةِ شغفها بفنها الدفين، لتطلق العنان بخيالها من اللوحات الفنية والتطريز، فتقول" أني متأملة بالخروجِ يوماً ولو على كرسي متحرك يساعدني في التنقل، لأكمل مشروعي التعليمي والفني، الذي لطالما حلمتُ بهما".
وتضيف سلسبيل" أتمنى من الجهات العليا والمؤسسات الخيرية ببناء محل لبيع مطرزاتي ولوحاتي، هذا كل ما أصارعه مع الحياة لأعيش عليه".
لم يتوقف إلهامُ سلسبيل فقط على الجوانب الفنية، بل تطرقت أيضاً لتسميع القرآن لفتياتِ قريتها، فهي كُرمت من الأوائل في تجويد القرآن غيباً، فمن عادتها تقيمُ الليل.
أما عبدالله فقد وهبه الله موهبة العقل التي جعلته متفوقاً على طلبة صفه، فتتحدث والدته "أنه قضى سبعُ سنواتٍ في الروضة، وانقطع عن إكمال تعليمه، ولم تستقبله المدرسة لسوءِ حالته".
وتردف قائلة"إصرارُ ولدي على الدراسة، وتحدي إعاقته، جعله يمتحن باختبار مستوى قدمته له التربية ليحصل على معدل 94,7%، ويترفع للصف السابع".
فقبل عامين شاركت سلسبيل ومحمد بمعرض فني برام الله لعرضِ إنجازاتهم الفنية، لتكون الأولى والفريدة بمشاركتهما ويحصلان على المرتبة الثانية من بين المشاركين.
محمد غيبه المرض..
"الله لا يضيعلك تعب يما" كلماتٌ ترددت على مسامعي والدته لتلامسّ روحها الحزينة، تاركاً وراءه قصته لولو الصغيرة التي نشرها قبل وفاته.
بدأنا بالحديثِ عن نجلها محمد، حتى سالت الدموع على وجنتيها بحرقةٍ وألمٍ على فراقه، فأخذت تحكي لنا قصته:" استيقظتُ مبكراً يوم الثلاثاء كعادتي لأعمل أنا وأبيه في قطفِ ثمار التين ونحُصل جهودنا بأموالٍ قليلة خلال اليوم، لكن لم يكن محمد بحالٍ جيدة، ففجأة أصيب بالتهاب في الرئة".
فكلُ ما تتذكره والدته، أنها قالت له "أخذك يما على المستشفى ليعالجك الدكتور، ولكنه رفض، وأصرّ على أن يأخذ دواءه، وحكالي بشفى يما لا تخافي".
لكن حالُ محمد ازدادت سوءاً، فنقلته إلى مستشفى بنابلس، في حينها، أخبرني الطبيب أن رئته صغيرة ولن تتحمل المرض.
صوتُ والدته ارتجف قليلاً وكاد يختنق بحشرجةٍ كلما أكملت حديثها بنهمٍ عنه، وتذكر عصيدة" كنتُ ألعبُ معه وأضحك، ولكنه في آخرِ لحظاته كان يريدُ الاحتفال بعيدي ميلادي ويهديني هديته من قصاصاتِ الفن التي لم يشاء القدر أن تعطى لي".
فإبداعُ محمد كان نوعاً آخر عن أشقائه، كان لديه بصمته في التطريز ورسوماته الفنية المعبرة عن واقع الحياة، ليترك أوراقه تعبئ البيت بصدى كلماته.
وتعبر والدته عن حسرتها قائلة" بأنها لم تساعد محمد في إبراز موهبته كما أراد أن يكون يوماً طموحاً بها، والتي لم تقدمه المؤسسات الخيرية لأبنائها".
وتكمل حديثها قائلة" إن محمد وسلسبيل لم يكملا دراستهما، و كنتُ أتركهما في البيت لأساند زوجي في عمله، فضحكتهم تنسيني مشقتي وقلةُ حيلتي".
فبعد هذه التجربة التي مرت بها نادية ازدادت يقيناً بأن لا تترك أحد أبنائها عبدالله وسلسبيل قيد المرض الذي أصابهما مؤخراً كشقيقهم المتوفى، وتحزن على فقدانهم .
فعائلة عصيدة تتربعُ حياتهم الريفية في قرية تل، كما وأن راتبُ زوجها التقاعدي لا يكفي لسد حاجاتهم الأساسية، وصقلِ مواهبهم، فتقول نادية" نحنُ لا نريد إلا دعمهم، بقيام المؤسسات بمساعدتنا في جلبِ كرسي لسلسبيل كي ترى النور وتخرج للحياة دون خوفٍ عليها".
بقيت سلسبيل و عبدالله اللذان سيكملان رحلة شقيقهم الأصغر محمد، فأعاقتهما لن تشكل عائقاً أمامهم للعيش بحياةٍ كريمة كغيرهم من البشر، باعتبار أمهم العائل والمساند بدورها والتي لم تشعرهم يوماً بالنقص، وتختتم بقولها "يا سبحان الله يأخذ شيء ويعطي أشياء" .

