كتبت سلسبيل نواهضة
صادق صبيحات أستاذٌ متقاعدٌ وشاعرٌ مبدع، ولد عام 1939 في قرية رمانة غرب جنين، قضى نصف عمره في التدريس وله خبرة واسعة في هذا المجال، كونه أسس العديد من المدارس وخرّج الكثير من الأجيال الذين كبروا الآن وشغلوا مناصب مهمة في الوطن، ولأنه يحب الأرض والوطن وعلى حبها ربى أولاده أكرمه الله باستشهاد اثنين من فلذات كبده، فما كان منه إلا أن حول الحزن إلى أبياتٍ من الشعر لوصف لوعة قلبه وصبره معاً.
وبين شهاداته الكثيرة وأوراقه القديمة وصور أبنائه الشهداء، وديوانيين من الشعر يحملهما بكفيه القويتين رغم سنوات عمره الثمانين استقبلنا في منزله المتواضع وكانت هذه المقابلة:
· كونك عملت مدُرساً منذ عام 1957 إلى عام 1988، كيف تستذكر تلك الأيام؟
لمعت عيونه وكأنه يرى شريطاً من الذكريات لا أراه أنا وقال:
- كل شيءٍ كان أجمل رغم الصعوبات، الألواح الصغيرة، الغرف الصفية المشتركة الكتب القديمة وأوراقها الصفراء، الحب والاحترام المتبادل بين الطلبة والأستاذ، كانت أياماً جميلة، أستذكرها وكلي فخرٌ واشتياق، لدي الكثير من الذكريات فثلاثة وثلاثون عاماً في التدريس كانت كافيةً لأن تملأ قلبي بالكثير من الفرح، ولكن من أجمل المواقف التي كانت تمر علي عندما أرى تلاميذي قد كبروا وشغلوا مناصب عليا في الوطن منهم المعلم والمهندس والطبيب والقاضي والمقاوم، أنا حقاً فخوراً بهم.
· كيف تقارن بين حال التعليم اليوم وحاله في الفترة السابقة التي شهدتها؟
- أظن بأن كل أدوات التعليم صارت متوفرة بأحدث التقنيات ولكن لا يوجد إنجاز حقيقي، كل شيء أصبح أسهل وفي نفس الوقت لا يوجد لدينا جيل مثقف قبل أن يكون متعلماً ،التعليم اليوم بات معتمداً على الحفظ لا الفهم ونحن نجني على طلبتنا هكذا، وفي النهاية نلومهم هم، يجب علينا أن نلوم أنفسنا ونعيد النظر في مناهجنا.
· برأيك على من تقع المسؤولية في تراجع التعليم اليوم على الطلبة أم على واضعين المنهاج الفلسطيني؟
- أنا أطلع باستمرار على المناهج التعليمية في المدارس اليوم وأراها صعبةً جداً، ونحن نُحمل الطلبة ما لا طاقة لهم به، المسؤولية الأكبر تقع على عاتق المتخصصين في وضع مناهج تعليمية تساعد الطلبة لا تعجزهم، وفي نفس الوقت على الطلبة جزءٌ من المسؤولية أيضاً فهم انشغلوا بالتكنولوجيات والأجهزة المتطورة والإنترنت وأهملوا دراستهم التي ستصنع لهم مستقبلهم.
· ما زلت إلى اليوم تتردد إلى بعض المدراس وتزور المعلمين والطلبة هناك رغم أنك تقاعدت منذ فترة طويلة ما السبب أهو الاشتياق؟
تفقد ساعته الفضية وكأن عقاربها أخبرته سراً جعله يبتسم قبل أن يتابع قائلاً:
- منذ صغري وأنا أرى نفسي معلماً فقط، وكان أجمل أيام حياتي عندما تحققت أمنيتي وعملت بالتعليم ، كنتُ أحب عملي كثيراً واشتاق لتلك الأيام لهذا أذهب إلى المدارس لأرى زملائي المعلمين وأستمع لقصصهم الجديدة ويستمعون لقصصي القديمة، نعم هو الإشتياق يا ابنتي.
· وصلنا الآن إلى محور الشعر، نشرت ديوانك الأول في عمرك الثمانين ما السبب في تأخرك إلى هذا العمر؟
- أنا أكتب الشعر منذ صغري ولكن أحياناً مشاغل الحياة كانت تمنعني من التركيز على الشعر، كنت أكتب العديد من القصائد دون أن أهتم بحفظها كانت مبعثرة في زوايا البيت، ولكن بعد فترة شعرتُ أنه يجب علي أن أنشرها كإنجاز لي في خريف عمري.
· إذا ما تكلمنا عن ديوانك الأول الذي سميته "الأخوين الشهيدين" هل كان فقط تخليداً لذكرى أولادك الشهداء؟
- لم يكن لتخليد ذكراهم فقط، فالقصائد في الديوان رغم أن الأكثر منها عن الشهيدين إلا أن فيها قصائد تتحدث عن موضوعات مختلفة تحاكي الواقع الفلسطيني والعربي وبعض من الأمور الاجتماعية، وأغلب هذه القصائد كنت قد كتبتها من قبل ونشرتها بعد ذلك في الديوان الأول.
· يقولون بأن الحزن يجعلنا نبدع أحياناً هل كانت صدمة استشهاد اثنين من أولادك أحد
أسباب كتابتك الكثير من القصائد التي تتحدث عنهم وعن طفولتهم؟
نظر إلى صور أولاده الشهداء المعلقة على حائط الغرفة، والحزن في عينيه الصغيرتين غلبه، وحاول أن يخفيه بابتسامة صغيرة وأشار إلى الصور وقال:
- هذا باسم وهذا حسين هؤلاء أولادي، وقطعة غالية من قلبي ولكن فلسطين تستحق أن نفديها بالنفس والولد والمال، هي غالية أيضاً، بالتأكيد حزنت على أولادي فأفرغتُ هذا الحزن على الورق، وما الشعر إلا ترجمة للمشاعر وانا في ديواني عبرت عن مشاعر أبٍ فقد أبنائه ولكنه يأمل أن يلتقي بهم في جنات النعيم.
· بعد عامين من نشر ديوانك الأول نشرت ديواناً آخر بعنوان "صرخة الأقصى" هل نجاح الديوان الأول أغراك لكي تكتب أكثر؟ أم الوضع السياسي في بلادنا استفزك؟
- أظن بأن الديوان الأول كان ناجحاً بعض الشيء ولكن الديوان الثاني انتشر بشكل أكبر وعرفوني الناس من خلاله أكثر، ولكن فعلاً الوضع في فلسطين سيء جداً الإحتلال يتمادى كل يوم ، تدنيسٌ للأقصى حرقٌ للأطفال وقتلٌ للشباب واغتصابٌ للأرض، والعرب في سباتٍ عميق، وأنا قرعتهم في ديواني وأثقلت عليهم فهم يستحقون أكثر فلسطين تحتاجهم ولكنهم لا يهتمون.
· في ديوانك الثاني كتبت قصيدة بعنوان "إني أخاف على الشباب" من الإنترنت والتكنولوجيا التي احتلت حياتنا بشكلٍ سريع، ولكن في هذا الزمن كل شيء يعتمد على شبكة الإنترنت والأجهزة الذكية فماذا يفعل الشباب؟
عدل جلسته وبصوتٍ منخفض قال وكأنه يكشف سراً لم يقوله في القصيدة:
- أنا أخاف على الكهول قبل الشباب أيضاً، الكل سواءٌ في المبالغة باستخدم الإنترنت فهو سلاٌحٌ ذو حدين قد يكون خيراً أو شراً ولكن يجب على الجميع أن يستعمله للأمور الإيجابية لخدمة الدين والوطن، الكل غارقٌ في متاهة هذه الشبكة علينا الحذر منها أكثر، فالأعداء حولونا إلى مجتمع مادي تركنا الأساسيات وأصبحنا نلهث وراء الكماليات والمال.
· إذا ما تحدثنا عن المرأة "أم باسم" ودورها في حياة الشاعر صادق صبيحات ماذا تقول عنها؟
كانت زوجته أم باسم تجلس معنا لتستمع إلى المقابلة نظر إليها بحبٍ وقال:
- إنها امرأة عظيمة ومضحية، عاشت معي ووقفت إلى جانبي في الحلوة والمرة وكانت ترضى بكل شي، هذه المرأة مخلصة لزوجها وللوطن فقد قدمت لي الشهداء الأبطال، وشكلت كل شيء جميل في حياتي.
· بعد ديوانيين نشرتهما في خريف عمرك كما تقول، هل هناك ديوانٌ جديد آخر؟
- لا أستطيع أن أجزم بوجود ديوان ثالث ،قد يكون وقد لا يكون، لم يبقى من العمر شيء حتى نكتب أكثر ولكن من يدري ربما سأقوم بنشر ديوان آخر إذا ما أسعفتني ذاكرتي وخدمت معي أكثر.