الرئيسية / الأخبار / فلسطين
المربي الفاضل الأستاذ احمد يوسف ياسين -أبو رائد- .. منارة في العلم وتنشئة الأجيال
تاريخ النشر: الأحد 05/06/2016 07:01
المربي الفاضل الأستاذ احمد يوسف ياسين -أبو رائد- .. منارة في العلم وتنشئة الأجيال
المربي الفاضل الأستاذ احمد يوسف ياسين -أبو رائد- .. منارة في العلم وتنشئة الأجيال

 نابلس: من ولاء أبو بكر-خاص ب أصداء

في ثنايا بلدة فلسطينية تشتهر بالزيت والزيتون عصيرة الشمالية تربى وترعرع طفل ذكي، في منزل صغير متواضع في آخر القرية لينشأ طفلا سخر حياته لتربية أجيالا من بعده ليكونوا عماد هذه الأمة فكان لامعاً ومحبّاً منذ صغره.

في 13/7/1926, شهدت بلدة عصيرة ولادة طفلاً نبيها، حاز على محبة كل من رآه، أحمد يوسف موسى ياسين " أبو رائد "، ترعرع في بيئة متواضعة ساهمت في إخراجه ليكون مربياً لأجيال قادمة.

كنا نعيش في منزل صغير في أرجاء قريتنا، كنت أستيقظ على صوت أمي وهي تناديني أنا وأخي لنساعدها في إشعال الحطب لتخبز لنا بعض من أرغفة الخبز المعجون بزيت الزيتون ورائحة القرية، نجلس أنا وإخوتي الأربعة ننتظرها لتحضر لنا الفطور ونذهب لمساعدة والدي في الأرض.

أجتمعت أنا وأصدقائي لنلعب ألعاب الطفولة التي تتصف ببرائتها، فنلعب البنانير (الجلة : عبارة عن كريات صغيرة من الزجاج الملون).

في عام 1934 كانت نقطة البداية لمسيرة أحمد التعليمية لينطلق منها ليصبح تلميذاً مجتهداً ومتفوقاً على زملائه، بدأ بارتياد مدرسة القرية لينطلق للصف الأول الأساسي فكان التفوق والتميز من أولى اهتماماته منذ صغره.

في عام 1936 شهدت فلسطين ثورة كبرى، حيث كانت الثورة الأطول عمراً قياس بالثورات التي سبقتها التي استمرت حتى عام 1939، والتي كان من شأنها أن تؤثر على شعب فلسطين بأكمله من كل النواحي سواء تعليمية أم اجتماعية ام اقتصادية، ولكن إرادة الشعب الفلسطيني في الحياة أبت أن تخضع لمثل تلك الصعوبات.

أذكر عندما كنت في الصف الثالث عم الإضراب في المدارس على إثر ثورة 1936، حيث استمر ستة أشهر، أضطررت للذهاب إلى مكان عمل والدي في مدينة بيسان، دقت الساعة الثانية ظهراً واجتمع كبار السن الذين يرغبون في الذهاب إلى بيسان ركبوا على دوابهم وأنا كنت أمشي على الأقدام حتى وصلت إلى والدي طوال الطريق الى بيسان مشيا .

عند وصولي مدينة بيسان توجهت مع والدي للمكوث أربعة أيام عند أصدقائنا، حيث جاء لوالدي قراراً لنقله لمدينة معان في الأردن، قطعنا مسافة طويلة مشياً على الأقدام، حتى وصلنا إلى القطار الذي سيقلنا للمدينة، قبل ركوبي فيه تعرضت لحادثة أليمة، حيث وقعت على يدي ورأسي توجهنا على إثرها للمشفى لتلقي العلاج فيه.

أكثر ست ساعات عانيت فيها الأمرين من وجع يدي هي الحظات التي مكثت فيها  في القطار، كانت مدة طويلة من الألم حتى التقينا في بدوي وضع لي شيئا من العلاج على يدي حتى جبرت ولم أعد أتألم منها، ست شهور مكثنا فيها في مدينة معان حتى جاء قرار نقل والدي إلى الزرقاء لم يستمر الشهرين حتى جاء خبر فصله لأسباب ذات توجه وطني اعتبر هذا التوجه حينها مخالفا للسياسات التي كانت قائمة في حينها و خسر الوالد نتيجة تمسكه بمبادئه وظيفته و تقاعده .

بقلب مشتاق وعقل شارد إلى أرض الوطن عدنا إلى عصيرة الشمالية، ليعود والدي ويصبح صاحب دكان صغير، وأكمل مسيرتي التعليمية في ربوع الوطن، فلم  يتسنى لي أن أكمل دراستي في الصف السادس في مدرسةعصيرة الشمالية  فشاء لي القدر أن أكملها في مدرسة الصلاحية في مدينة نابلس.

أذكر مشهد جميل لنساء قريتنا وهنّ يحملن بقاليل اللبن الذي تشتهر في صنعه قرية عصيرة الشمالية بكثرة، ويضعن البقاليل في سلات من القش ويضعنها على رؤوسهن، كنت أرى في عيونهن مصدر للقوة والإرادة والتحدي لصعوبات الحياة، يمشين بإصرار حتى يصلن لمدينة نابلس ليبيعونها للمارة.

على صوت أذان الفجر وزقزقة العصافير وصوت ديك جدي أستيقظ لأصلي وأتناول فطوري، وألبس الكمباز المميز وحطة وعقال، بالرغم من صغر سني إلا أنني كنت أحب  أن أسترجع في لباسي هذا تاريخ أجدادي، أكملت مسيرتي التعليمية بتميز وإبداع وأنهيت مرحلة الثانوية العامة بمعدل ممتاز.

يعود في ذاكرته للوراء قليلا ليستذكر من كان لهم الفضل عليه من معلمين في مدرسته منهم المدير عبدالوهاب الخطيب الذي كان يأتي من قريته بيت إيبا على الخيل، والمدرس الشيخ نمر هاشم الذي كان يعلمهم أصول الدين.

في عام 1943 بدأ المشوار الأصعب في حياتي العلمية، وقع اختياري على جامعة الخضوري لأكمل فيها مسيرتي التعليمة لأنها لاتحتوي على أي شيء من الهندسة التي لم أكن أرغبها أبدا، حيث أنتخبت أنا وزميلي من قبل لواء محافظة نابلس للدراسة فيها لأكمل دراستي الجامعية فيها، حيث درست علوم زراعية وتخرجت في عام 1944م.

كنت أتسائل دوماً لماذا سميت بخضوري حتى علمت أن سبب التسمية بذلك، نسبة إلى مغترب يهودي اسمه السير أليس خضوري وهو من هونغ كونغ ومن أغنياء العالم، وجاء هنا لفلسطين عند المندوب السامي الذي كان اسمه آرثر واكب كان يحب العرب، فطلب السير أليس منه أنه يريد بناء كلية زراعية لليهود، فأجابه المندوب السامي بأن نبنيها للعرب واليهود، وتم بناؤها في عام 1931م.

بعد تخرجي عملت فوراً في مجال التعليم وذلك من قبل حكومة الإنتداب، ولكن لم أكن أرغب في يومٍ من الأيام أن أعمل في هذا المجال الذي لا أحبه بتاتا، وجاء تعيني في مدرسة طوباس كنت أتنقل على "الحمار" وأضع بطانية عليه حتى أصل إلى المدرسة.

أضطررت لأسكن في طوباس لمدة سنة كاملة لصعوبة التنقل، لم أكن أرى من أهل طوباس سوى المعاملة الحسنة والرائعة لي، لم يشعرونِ يوماً أنني غريباً بل كنت بين أهلي وأحبتي، كنت أتناول في كل يوم بعض من المقالي ومع مرور الوقت عانيت من مرض المصران الزائدة نقلت على إثرها للمشفى ومكثت ستين يوماً حتى تلتئم العملية التي أجريت لي.

أنهيت مرحلة التعليم في محافظة طوباس حتى نقلت إلى سلفيت التي كان فيها سنة من التدريس، وبعدها إلى سبسطيا التي كان من نصيبها ثلاث سنوات من التعليم.

خمس سنوات من العمل التعليمي في محافظات عدة من الوطن، حتى جاء عام 1948م، ليقضي على أحلام شعبنا المتضهد، في تاريخ 5/10/1948 أغلقت كافة المدارس وعمّ السكون في أرجاء الوطن حتى شهر 12 من نفس العام، أذكر في وقتها مجيء الحاكم العسكري طاهر الزبيدي ليعطينا رواتبنا، وعلى إثر حرب 48 تولت الأردن كل الوزارات، وكان أحمد طوقان أول مدير للتربية والتعليم في الضفة.

أعود لطفولتي قليلا عندما كنت أبلغ من العمر تسع سنوات، وعند مجيء عصر كل يوم يجتمع كل من في العائلة أمام منزل جدي لنشرب الشاي سوية ونتحدث قليلا ونمرح في اللعب مع من هم في سني، كنت أنظر لطفلة جميلة جدا تجلس في حضن خالها وتبلغ من العمر ثلاث سنوات، تلفت انتباهي بنظراتها البريئة فتخطف قلبي مني ولا يسعني إلا أن أتلفظ بكلمات متواضعة وأن أٌقول هذه الطفلة لي وستكون من نصيبي حتى كبرت وتزوجت منها.

لم تكن الفرحة تسع قلب أبو رائد في زواجه من التي أحبها قلبه، ولكن كانت الفرحة أكبر عند مجيئه أول طفل له في عام 1950م، وبعدها بأعوام أنجب ابنتين وست أولاد.

أبو رائد مثله كباقي الآباء يعمل بكد وتعب ليوفر لأبناءه كل سبل الراحة وليوصلهم لأعلى مراتب العلم، فلم يخرج من منزله سوى الطبيب (د.مؤيد) والصحفي(أ.ناصر) و الأخصائي الطبيب (د.سمير) والأستاذ(أ.خالد) والمهندس(م.اياد)، كونه يعيش في قرية طابعها المميز بالنهضة التعليمية، فلم تنتهي فرحته بأبناءه إلا بغصة في قلبه عندما فقد ابنه البكر الذي توجه لدراسة الطب  في إيطاليا وتوفي على الفور وهو يستحم وذلك عند استنشاقه للغاز داخل الحمام المرجوم باذن الله رائد .

كان أبو رائد كالسراج المنير لعقول طلابه، فلم يقف فضله عليهم فقط بل امتد لأهالي قريته الصغيرة الذي كان له اليد في إنارتها بالكهرباء عام 1964 لتكون أول قرية تضيء بالكهرباء، وذلك بعد توليه رئيسا لجمعية كهرباء عصيرة الشمالية، ولم يقف عند هذا الحد بل كان يعمل مع رجال الإصلاح.

أذكر موقف طريف  في عام 1964 عندما كنت أدرس في مدرسة الغزالية، كان هناك طالب إنجليزي لم يسعني إلا أن أصفعه على وجهه بسبب مضايقته لي في تصرفاته، وعندما دق جرس الفرصة ذهب ليخبر والده عن الذي حدث، حتى جاء والده يصرخ أمام طلابي ولكن جائتني فكرة لتسعفني من الموقف وضعت يدي على خصري وقلت له إذا كنت تفكر بالإقتراب مني سأفرغ سلاحي برأسك كانت هذه الجملة كالسحر عليه ولأحفظ كرامتي أمام طلابي، ولكن بعدها تصالحنا ولم يكن سوى الخير بيننا، وبعد مرور أجمل سنوات من التعليم وتربية الأجيال حان الوقت لأصبح مدير المدرسة في القرية في عام 1970م.

 

اثنان وأربعون سنة من الجهد وتربية الأجيال وتعليمهم كيف يحرصوا على بناء الوطن بحبٍّ وإخلاص وكيف يكونوا عماداً لهذه، بكل ما أوتي من قوة، فزرع في عقولهم علماً منيراً ليصل كل منهم لأعلى المراتب، حتى جائته لحظة التقاعد فكما يقول أبو رائد في عام 1986 "جائني قرار تقاعدي عن العمل متمنين لي شيخوخة صالحة، فتبسمت لهذه العبارة لأنهم أشعروني أني كبيرا في السن".

بعد المكوث في المنزل وفي كل صباح أستيقظ على زقزقة العصافير وأحتسي كوبا من الشاي وأقلب ورق الجريدة أتصفح فيها أخبار هذا الوطن لأجدد ذاكرتي، وعند العصر أجلس على عتبة منزلي وحولي أبنائي وأحفادي وهذا أكثر ما يشعرني بالفرح لوجودهم حولي.

كانت تقول جدتي دوماً "الكَبر عبَر"، لم أكن أعرف معناها، ولكن عندما كبرت أيقنت أن هذه الجملة تعني الكثير لأنني أصبت بجلطة أوقفتني عن العمل مع لجنة الإصلاح في القرية، فلم يعد باستطاعتي المشي جيداً وأغلب وقتي أقضيه في المنزل.

التدريس مهنة جميلة جدا، وكل معلم يعود أسلوبه في التعليم إلى شخصيته، فكل من علمته لم أترك في قلبه سوى بصمة من المحبة والإحترام وكنت أشعل في عقولهم دوماً منارة للعلم، ولكن مشوار التعليم لاينتهي إلى هذا الحد فقد أنشأت جيلاً سيكمل من بعدي هذه المسيرة.

يفتخر الحاج أبو رائد لحيازته على جوائز عدة، وأكثر ما أفرحه عندما بعث الملك حسين له ولزميله أن يأتوا للأدرن ليتم تكريمهم وسام تقديري للمعلمين في حفلة أقيمت لهم في جامعة اليرموك، ولم تقتصر الجائزة هنا فقط بل تم تكريمه من قبل الرئيس ياسر عرفات، وفي جمعية المتقاعدين في محافظة طوباس كان له أيضا نصيباً من التكريم، وفي قريته عصيرة الشمالية حاز ايضا على تقدير كل من كان له الفضل عليه.

المزيد من الصور
المربي الفاضل الأستاذ احمد يوسف ياسين -أبو رائد- .. منارة في العلم وتنشئة الأجيال
المربي الفاضل الأستاذ احمد يوسف ياسين -أبو رائد- .. منارة في العلم وتنشئة الأجيال
المربي الفاضل الأستاذ احمد يوسف ياسين -أبو رائد- .. منارة في العلم وتنشئة الأجيال
المربي الفاضل الأستاذ احمد يوسف ياسين -أبو رائد- .. منارة في العلم وتنشئة الأجيال
المربي الفاضل الأستاذ احمد يوسف ياسين -أبو رائد- .. منارة في العلم وتنشئة الأجيال
المربي الفاضل الأستاذ احمد يوسف ياسين -أبو رائد- .. منارة في العلم وتنشئة الأجيال
المربي الفاضل الأستاذ احمد يوسف ياسين -أبو رائد- .. منارة في العلم وتنشئة الأجيال
المربي الفاضل الأستاذ احمد يوسف ياسين -أبو رائد- .. منارة في العلم وتنشئة الأجيال
تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017