الرئيسية / الأخبار / فلسطين
الشهيد محمود بدران: طفل بريء يهزم أخلاقياً جيش الاحتلال
تاريخ النشر: الأربعاء 29/06/2016 13:37
الشهيد محمود بدران: طفل بريء يهزم أخلاقياً جيش الاحتلال
صورة من تشيع جثمان الشهيد بدران

 بقلم: بسام الكعبي

تَمَدد الفتى محمود رأفت بدران (15 سنة) مطمئناً فوق كتف والده الأسير المحرر، في الطريق إلى رحلة الخلود الأخيرة باتجاه مقبرة بيت عور التحتا غربي رام الله. بدا الشهيد المحمول على أكتاف أقرانه وذويه واثقاً أن دمه لن يذهب هدراً، طالما تمسك بالملف والد صلبٌ اختبر قسوة الاحتلال، وتماسك في تشييع الجثمان، وإن تفجر الدمع الطاهر في كلمته المؤثرة التي ألقاها في حضرة غياب نجله البريء، وقد إستشهد برصاص ضابط للاحتلال فجر الثلاثاء في الحادي والعشرين من حزيران الجاري، وجرح برصاصه المتطاير فوق سقف سيارة الأجرة ستة شبان بعضهم لا زال في حالة حرجة.

وعد والد الشهيد في مكالمة خاطفة تبادلتها معه أنه لن يترك قضية نجله طالما فيه عرق ينبض، وكشف أن الاجراءات القانونية لمحاسبة القاتل بدأت، وقد التقى ضابط الشرطة العسكرية للاحتلال في معهد (أبو كبير) للطي العدلي بمدينة يافا الساحلية، وأكد له أن القتل بدم بارد لن يمر هذه المرة؛ وبخاصة أن الاحتلال اعترف "بخطا" تنفيذ الجريمة، وكأن الأمر خطأ تقني في براعة توظيف السلاح  في ساحة للصيد!. بدت نبرة صوته مرتاحة للأنباء التي تسلمها من بشأن المصابين في مستشفى (ايخلوف) في تل أبيب، وتؤكد استقرار الحالة الصحية للمصابين أمير عصام داود (15 سنة) وسائق سيارة الأجرة عهد أكرم هلال (22 سنة) رغم خطورة جراحهما البالغة.

كمين محكم!

تَمَترس الضابط الإسرائيلي، من وحدة "الهدهد" الشرسة والعدوانية، بعد إفطار اليوم السادس عشر من  شهر كريم؛ في سيارة  بيضاء وبملابس مدنية. ظل القاتل ساعات طويلة فوق النفق الضيق الوحيد الذي يربط بين بيت عور التحتا وبيت سيرا، في حين تجتاز سيارات المستوطنين، بعبور عنصري، فوق جسر خطف شارعاً التفافياً "يتجنب" البلدة، ويربط  بين مدينتي القدس وتل أبيب.

روى أبو محمود بغضب حكاية إطلاق نار خطف نجله: "وصل إبن شقيقتي من إمارة قطر الخليجية في زيارة صيفية، ووعد محمود إبن عمته بقضاء أمسية في مسبح بلدة بيت سيرا المجاورة بمشاركة أقرانهما. انطلق الشبان برفقة أختي وزوجها ونجلهما القادمين من الدوحة إلى المسبح بعد التاسعة ليلا. قضى الفتيان ساعات في متنزه بيت سيرا ومسبحها، وعند الواحد والنصف فجراً التقط الأصدقاء صور الوداع الأخيرة عائدين في طريق المجهول إلى البيت. سيارة زوج أختي لا تتسع لكل الركاب، فأتصل هاتفياً مع شاب من بيت عور التحتا يمتلك سيارة أجرة لنقل الركاب. قبيل الثانية فجراً قطعت السيارتان نفق بيت سيرا، وانهمر الرصاص على سقف سيارة الأجرة. استشهد على الفور محمود وأصيب أربعة من رفاقه، واعتقل الاحتلال شابين أفرج عنهما لاحقاً. وصلني النبأ كأنه كابوس ينصب مشنقة للمنام. لم أصدق الخبر حتى شاهدتُ جثمانه الطاهر يتمدد في معهد أبو كبير العدلي". نقل جريحان بعد يومين على الجريمة إلى مشفى إيخلوف في تل أبيب، وتلقى جريحان آخران العلاج في مجمع رام الله الطبي، وعادا إلى بيتهما بعد أيام من استقرار حالتهما الصحية.

تابع أبو محمود: "الضابط الذي ارتكب الجريمة كان يرتدي ملابس مدنية بسيارة مدنية، وأطلق 18 رصاصة على حافلة الأجرة التي تقل الشبان، وأصابت معظمها السقف والزجاج الأمامي، واستقرت واحدة في رأس محمود، وأصابت شابين بجروح خطيرة جداً، وهتكت الرأس والكبد والأطراف. مستعدٌ لقبول النتيجة التي يكشفها شريط الصور، إذا أطلق الاحتلال سراح الكاميرات المنصوبة في الشارع الالتفافي وفوق النفق. لكن حتى اللحظة لا زالت سلطة الاحتلال تتكتم على شريط وثق الجريمة. تبيّن لاحقا ومن شهود عيّان أن القاتل اتجه نحو سيارة الضحايا ليتأكد من حصاد رصاصه، وغادر مسرح الجريمة بأعصاب باردة كأنه لم يرتكب جرماً".

حكم بالمؤبد

أعتقل بدران سنة 1985 وحكم بالمؤبد وتنقل في معظم سجون الاحتلال، وأطلق سراحه في منتصف تشرين أول 1999 عقب اتفاق (واي ريفر) بين السلطة الفلسطينة وحكومة إسرائيل، بعد قضاء 15 سنة من محكوميته. تزوج سنة 2000 وأنجب بكره محمود ثم شقيقيه ميلاد ولُجين. أنهى نجله الشهيد الصف التاسع، وكان يستعد لبدء خطواته في مرحلة الثانوية، لكن الرصاص الحاقد قطع عليه طريق التفوق، وبدد حلم النجاح، وبخاصة أنه كان طالباً مجداً بصفوف مدرسة خاصة في بلدة بيتونيا غربي رام الله.

كان الشهيد يقطع يومياً  طرقاً قطعها الاحتلال في طريق ذهابه وعودته من مدرسة بيتونيا، وبخاصة أن بيت عور التحتا تقع على خط قرى اللطرون في المسافة الواقعة بين مدينتي يافا والقدس. شق الاحتلال سنة 1989 طريقاً التفافية، بذريعة تجنب رشق سيارات المستوطنين بالحجارة،  و"ضمان سلامة" المركبات الإسرائيلية! فيما نهبت مستوطنتا بيت حورون وموديعين مساحات واسعة من أراضي البلدة الجبلية التي ترتفع 380 متراً عن سطح البحر،  واقتطع مساحات من أراضيها الزراعية المشهورة بالزيتون والتين والعنب والمشمش والرمان، وعزلها بين جدار فاصل ونفق وحاجز عسكري، وحاصر خارطتها الهيكلية وإغتال تمددها العمراني!.

تاريخ أقوى من الحصار

يقال أن البلدة أقيمت في عهد النبي سليمان، باعتبارها واحدة من المدائن السبع التي أمر النبي ببنائها، وأطلق عليها (بيت حورون). تم تحريف إسمها عور من كلمة عورا السريانية التي تعني التين. وذكرها المؤرخ ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان) سنة 1215 ميلادي. اشتهر الأديب والمؤرخ الحموي بتدوين رحلاته الجغرافية في الشام ومصر والخليج العربي وبلاد فارس، وقد أقام سنوات في بغداد، ودفن في حلب السورية سنة 1229م.

  تحيط في بيت عور التحتا قرى: بيت عور الفوقا، صفا، بيت سيرا، بيت لقيا  وخربثا المصباح، وباتت على خط "الهدنة" عقب تدمير قرى اللطرون الثلاث: عمواس، بيت نوبا ويالو في أعقاب هزيمة حزيران 1967، واحتلال الضفة الغربية، وقطاع غزة، وصحراء سيناء المصرية، والجولان السوري.

يضطر  أهالي  بيت عور التحتا  إستخدام النفق قسرياً  للمرور إلى بيت سيرا والعودة منها؛ ليتكشف أنه كمين محكم لقاتل يختار توقيت جريمته ويبرع في انتقاء الضحايا! ويضطر المغادرون غرباً باتجاه "الخط الأخضر" لاجتياز حاجز مستوطنة (موديعين) التي استولت على مساحات واسعة من أراضي بيت عور التحتا والقرى المجاورة.

سقط محمود شهيداً بطلقات غادرة، لكن والده لن يكف عن متابعة القضية حتى النهاية، ليدين القاتل فتنتصر الضحية على الجلاد، بينما يواصل أقران الشهيد الصغار والأبرياء، بحزن، تعلم فنون السباحة، وقراءة التاريخ العريق للبلاد، والتفوق في التعليم، وتحدي الاحتلال حتى تحرير الوطن، واستعادة أسرى وأسيرات الحرية، وضمان حق عودة اللاجئين.

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017