memantin iskustva oogvitaminer.site memantin wikipedia"> memantin iskustva oogvitaminer.site memantin wikipedia">
كتبت ميساء ابو زهيدة
عينان غائرتان طبعت ساعات العمل القديمة بصمتها عليهما، ووجه ممتلئ خط بتجاعيد شهدت كل ثانية أنفقت في سبيل البقاء، وكلام يشهد كل حرف فيه بركان الحب الذي ثار فعمل فنجح فترك اسما لن يمحوه لا المنافسون ولا الزمن.
في زاوية من زوايا تلك المدينة الصغيرة وبين ثناياها المكتظة بقصص وأشخاص، في حضرة المكان الذي يروي كل حجر من حجارته رواية الكفاح والحياة، لو ألقيت نظرةً فاحصة على ذلك البيت لن تقول إلا أنه كغيره من البيوت الشعبية، لكن كل ذرة فيه مزجت مع قطرة عرق لمن ضحى بوقته ليكون البيت ومن فيه قادرين على الوقوف في معترك الزمن الذي حاول قتل روحهم.
لو أخذت جولةً صغيرة في مدينة قلقيلية مشياً على الأقدام وسألت عن اسم لطالما تردد على ألسنة أهلها وكان رمزاً للعمل والأمل والأنثى التي تكسر الصخر، اسأل عن "أم فتيان" ستجد عشرات الإجابات التي تحكي كم الاحترام والفخر في عيون قائليها، ستجد أبا لطالما قال قصتها ليعلم ابنته كيف تواجه الحياة بقلب مكسو بالحديد وأما تردد اسمها لتفخر بامرأة نقشت اسمها في قائمة الأمهات المنتصرات على الحياة.
تفاصيل البداية
بدأت الحكاية عام 55 في الواحد والعشرين من شباط، حين ولدت يومها لم تكن تعلم أن ما ينتظرها بعد سنين سيكون أكبر من أن تتحمله امرأة في عمر الشباب، فكيف لفتاة لم تصل الثامنة عشرة من عمرها أن تقبل الزواج من ضرير لا يرى، وكيف ستكون فتاة في ذلك العمر قادرة على أن تكون عينان لمن فقد بصره وأباً وأماً لعائلة كبرت وكبرت لتصل إلى تسعة أبناء خمس إناث وأربعة ذكور!!
بكلام معسول يحمل حبا لا متناهياً وحناناً حقيقياً لم تمحه قسوة الحياة، تتحدث تارة وتحاول حبس دمعتها المتأهبة تارة أخرى، لكن وهل يحبس ما لم يوجد ليحبس!
يوشك لسانها على التوقف عند كل حرف تحاول نطقه لكنها تتمالك نفسها وتتحدث في النهاية، تقول نجاح نزال (62 عاما): "زوجي – رحمه الله – كان ضريراً تزوجته عام 73 وكان قد أصيب في حرب عام 67 "، كلامها ذاك كان القنبلة الأولى التي جعلت التعجب من زواج كهذا يطلق على هيئة سؤال "كيف قبلت الزواج به" لتجيب بسرعة صاروخية: " أبي كان يقول أن الغني من زوجته والفقير من زوجته وكنت واثقة من أني سأغنيه عن كل شيء، كنت وحيدة والدي وأبي يعمل في فنزويلا وكان زواجي هذا سبيلاً لحياة كنت أريدها أفضل."
معركة البقاء
لو عدت بالزمن إلى مسار عملها ستجد أن صنع المنسوجات كان الشعلة الأولى للسيدة نجاح، بدأته في السادسة أو السابعة عشرة من عمرها، وكان ملجأها الأخير للإبقاء على حياتها وحياة عائلتها كما تقول، اسأل المنسوجات المتناثرة على واجهات بيتها تجبك شاهدة على ساعات الليل الطوال التي التهمت وقت صانعتها، ولأن هذا العمل - صنع المنسوجات- لم يكفِ لسد رمق العائلة التي كانت بحاجة إلى المزيد دائماً؛ بدأت تفكر في طريق آخر وكان كي الملابس السبيل الثاني. فلجأت إليه، تقول السيدة نجاح: "بعد أن وجدت أن صنع المنسوجات وبيعها غير مجدٍ مادياً، بدأت التفكير في العمل في كي الملابس الجديدة التي كنت أحضرها من إسرائيل"، وتضيف: " في بداية السبعينات بدأت العمل في خياطة الملابس ووضعت نواة لمشغل خياطة كان ناجحا في البداية لكن سرعان ما بدأت الخسارة تتوالى فبعته."
خسارتها تلك جعلت العربة خيارا تاليا للسيدة نجاح، وإلا فكيف ستسد رمق العائلة التي كانت تحتاج المزيد، والعربة المصنوعة من قطعة خشب مغطاة بقماش استطاعت لعب دور المنقذ من الحاجة، وبقدر يسير من المال بدأت بيع الذرة والفوشار والمرور على مدرسة هنا وأخرى هناك والبيع في الشوارع التي باتت حجارتها قادرة على حفظ أم فتيان وتذكرها حتى بعد أن مرت السنين الطوال.
سائقة الشاحنة
في منتصف الثمانينات بدأت السيدة نجاح تشق سبيل التجارة أكثر؛ فقررت أخذ رخصة سياقة لتوزيع البضاعة على شاحنة بالإضافة إلى محل من مترين كانت تبيع فيه في الطابق السفلي من المنزل، ولعل قرارا كهذا في ذلك الوقت كان محط تعجب فكيف لامرأة أن تحصل على رخصة سياقة وليست أي رخصة بل رخصة شاحنة في وقت كان من يملكون سيارات يمكن عدهم على أصابع اليد الواحدة في منطقتها !!
تقول السيدة نجاح :" بدأت تجارتي الفعلية مع بداية الانتفاضة الأولى، وظروف الانتفاضة التي خضعت لها الضفة الغربية عرقلت تجارتي وكبدتني الكثير من الخسائر بسبب إغلاق الطرق ومنع التجول والحواجز ."
والطريق الصعب الذي سلكته السيدة نجاح لإعالة أسرتها لم تنتهِ مطباته عند حد الاحتلال والانتفاضة، بل إن التجار أيضا لم يوفروا جهداً في لعب دور السد المنيع أمام عملها ، وكأن اللاإنسانية طغت على عالمهم ليزيدوا الغصة والجرح، وكان لابد أيضاً من لمسة أخرى وضعتها الجهات الرسمية فقامت البلدية بوضع لحوم فاسدة في ثلاجة دكانها لمدة تصل إلى الست شهور لتتكبد هي وحدها تكاليف الكهرباء، وكأنها مضطرة إلى دفع تكاليف فساد الفاسدين!
ولو حاولت الدخول قليلاً في حياة العائلة ستجد هنا أن حمل الأم مضاعف ضعفين، فمن عملها خارج المنزل ومقارعة هذا وذاك إلى الأطفال الذين يحتاجون أمهم بكل تفاصيل حياتهم، ولأنها الأم التي لن تجد منها اثنتين -كما يقول أبناؤها-، استطاعت أن تروي أسطورة الأم والمرأة العاملة التي تحدت كل شيء ونقشت اسمها كأم وكتاجرة بنت امبراطورية تجارية استكملها أبناؤها بعد أن عبدت لهم الطريق، يقول ابنها سميح نزال: "الاسم الذي بنته امي لنا ساعدنا في العمل والبقاء في السوق عندما بدأنا نحن العمل."
تقول ابنتها الصغرى صابرين: " كنت دائما أفخر بأن أمي امرأة عاملة تتعب من أجلنا، لكن أكثر ما كان يضع الغصة في قلبي وأن طفلة أن أمي كانت لا تستطيع الحضور إلى مدرستي كما تفعل باقي الأمهات."
وتقول عفيفة نزال ابنة السيدة نجاح الثانية: "نحن أيضاً لم نكن أطفالا عاديين ينتظرون والدتهم لتوقظهم صباحا، بل كنا نتحمل مسؤولية أنفسنا وكنا أيضا نساعد أمي في البيع في الدكان الصغير أسفل المنزل، وبالرغم من أننا كنا صغاراً إلا أنني لا أستطيع نسيان النظرات والكلام الذي كان يخيفني من الزبائن والتجار وحرمنا من خصوصيتي وشقيقاتي."
ولأن القدر لعب لعبته مع السيدة نجاح نزال "أم فتيان" وعائلتها فقد توفي الأب الضرير عام 2007، لكنه لم يكن بالتأكيد كآخرين تركوا ورائهم زوجات وأبناء بحاجة إلى معيل، لأن العائلة التي ملكت زوجة أبت إلا وأن تغنيه وهو على قيد الحياة والأم التي ربت أبناءها ووضعت لهم محط قدم في عالم التجارة والمال، كانت مثالاً لكثير من العائلات التي لم تقع في مستنقع المشاكل التي دمرت أسراً وهدمت أخرى، فكان للسيدة نجاح من اسمها نصيب فبنت نجاحا على نجاح لتكون اسماً لن يكون الزمن قادراً على محوه.