الرئيسية / مقالات
عن وثيقة حماس السياسية
تاريخ النشر: الثلاثاء 02/05/2017 10:37
عن وثيقة حماس السياسية
عن وثيقة حماس السياسية

 د. خالد معالي

 

تاريخيا؛ من لا يواكب زمانه والمراحل التاريخية والمستجدات، ولا يطور نفسه ويغيرها للأفضل، ولا يجيد استخدام الأدوات المتاحة ويطورها، ويفعل الأدوات الغير نشطه؛ يذوب ويتلاشى؛ ومن هنا فان حركة حماس والتي تدرك كل ذلك مسبقا؛ قامت بتطوير أدائها السياسي بالإعلان عن الوثيقة السياسية الجديدة ذات المرونة العالية والموجهة.

أكثر مادة جدلية في وثيقة حماس الجديدة، وأكثرها إثارة في الجانب السياسي هو إشارة الحركة إلى أن إقامة دولة فلسطينية على حدود 67 هو صيغة وطنية توافقية مشتركة، وتأكيدها أن ذلك لا يعني اعترافاً بالكيان الصهيوني أو التنازل عن أي من حقوقها.

سارع البعض ممن يناكف حركة حماس إلى اعتبار هذه المادة اعترافا ضمنيا بكيان الاحتلال، "وإلا كيف ستتعامل حماس مع تبعيات حل كهذا؛ والذي لن يكون إلا في إطار تفاهمات دولية تشهد عليه الدول الكبرى على الأقل"؛ بحسب خصوم حماس.

الرد على ذلك أسهل من المتوقع؛ فوجود كيان الاحتلال؛ يخالف القانون الدولي وكافة الشرائع والقوانين الدولية، والقوي اليوم لا تدوم قوته، ودولة على أل 67، لا تعني بالضرورة أن يتم الاعتراف بكيان الاحتلال، وإعطائه الشرعية، والضغوط الدولية يمكن تجنبها وتحيدها، عبر سياسة حكيمة، ودون تنازلات كما حصل في "اوسلو".

يلاحظ أن إقامة الدولة على حدود عام 1967 ليست خيار حماس، ولأهميته للآخرين تطرقت إليه، على شكل صيغة توافقية أدنى من سقف حماس المتمثل بكامل الأرض، فحماس ترى أن تحرير أي شبر بسواعد المقاومة هو المطلوب.

مسارعة "نتنياهو" وقادة الاحتلال؛ للهجوم على ميثاق حماس، ووصفه له بأنه لتضليل الرأي العام العالمي لعبور المجتمع الدولي، يرينا أن حماس تجيد المناورة السياسية للالتفاف على الضغوط الدولية الثقيلة، وهو ما يتيح لاحقا للدول العربية والإسلامية المتعاطفة مع القضية الفلسطينية أن تُنفِّس الضغوط الدولية الواقعة عليها إذا ساندت حماس سياسياً.

يلاحظ حرص الوثيقة السياسية الجديدة؛ على التأكيد على مكانة المنظمة كوعاء جامع، مما يعني خفض حالة التوتر الداخلي الفلسطيني الفلسطيني، واستثنت الشرط الإيديولوجي للانضمام إليها، وهو ما ينسجم مع ما وقعت عليه في العام 2005 في القاهرة.

تختلف الوثيقة السياسية عن الميثاق؛ فكل ما جاء فيها كان مطروحاً قديماً،  وما جرى مجرد ترتيب وتجميع في وثيقة واحدة متطورة ومتقدمة، تراعي المستجدات والمرحلة، وتمت صياغتها بلغة ومفردات سياسية قانونية دستورية واضحة تخاطب بها العالم وأبنائها، وليس بلغة فقهية لتأصيل وجودها وجهادها الشرعي مثل الميثاق؛ فالسياسة بحاجة لمرونة وليس جمود وذلك ضمن إطار الشرع.

وثيقة حماس الجديدة ليست انقلاباً على الميثاق، فالميثاق شيء والوثيقة السياسية شيء آخر؛ وهي وثيقة منسجمة مع خطاب وسلوك الحركة، ولم تُشر إلى العلاقة مع الإخوان، وهي بذلك تعفي نفسها من مواجهة الأنظمة بتهمة الارتباط التنظيمي مع الأخوان، ولا تتحمل وزر إعلان القطيعة بنص صريح أمام أبناء الإخوان؛ فحافظت على الجذور دون إعلان بطريقة سياسية ذكية جدا.

يلاحظ أن حماس حسمت أمرها في الوثيقة بالنسبة لمنظمة التحرير؛ فهي تقبل بالبقاء تحت سقف النظام السياسي الفلسطيني المعروف بمنظمة التحرير الفلسطينية ولكن بعد إعادة بنائها على أسس تضمن الشراكة السياسية، مما يعني تخلي حماس عن البحث عن أطر سياسية تهدف إلى تمثيل الشعب الفلسطيني بعيداً عن منظمة التحرير.

في الإطار الفكري العام؛ أعادت حماس التأكيد على مرجعيتها الإسلامية المعتدلة الوسطية وأنها ليست جزءاً من التيارات المتشددة التي تناقض مجتمعاتها وتجرها إلى الاحتراب الأهلي، بعكس ما يريد أن يثبت ويوصفها "نتنياهو" بأنها مثل داعش.

كما ووصفت حماس نفسها بأنها حركة ديمقراطية تمارسها وتحترم نتائجها، وتحترم التعددية الدينية والمذهبية والعرقية؛ لإيمانها بوحدة الأمة كقيمة عليا تتصدر القيم الأخرى في قائمة الأولويات القِيميّة، كما تعزّز تمايزها برفضها التدخل في شؤون الدول وخصوصياتها؛ حيث دفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا في تدخله في الشؤون العربية سابقا؛ كما حصل من تأييد دخول صدام للكويت.

يستوعب المرء أن يكون الهجوم على الوثيقة من قبل الاحتلال؛ فالاحتلال يبقى احتلال؛ لكن أن ياتي الهجوم من قبل جهات فلسطينية لمجرد المناكفة؛ فهذا أمر لا يصح؛ فالعالم يتقدم ويتطور بسرعة، ووسائل الاعلام صارت متاحة لمعرفة المواقف الحقيقية لكل جهة، والنقد يجب أن يكون نقدا بناءا؛ بهدف تطوير الحالة الفلسطينية، وليس عكس ذلك.

 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017