الرئيسية / مقالات
الطعام ثقافة وليس حشو بطن!
تاريخ النشر: الخميس 04/05/2017 09:34
الطعام ثقافة وليس حشو بطن!
الطعام ثقافة وليس حشو بطن!

 لا تنفصل ثقافات الشعوب في الطعام عن ثقافة المجتمع العامة،  فكل مجتمع يحاول تأصيل هويته بانفراده بثقافة طعامه التي تختلف عن الآخرين، وقد لا يروق طعام قوم لقوم، لكن في النهاية يبقى الطعام هو احد خصائص المجتمع الذي يميزه عن الآخرين.

الكاتب الفرنسي "جان بريلات"  له مقولة شهيرة تختص بالطعام،  فهو يقول "قل لي ماذا تأكل.. أقول لك من أنت "،  ويفهم من ذلك أن شخصية الإنسان تظهر للآخرين من خلال الطعام الذي يتناوله،  وطريقة إعداده وطهيه وآداب المائدة.

تجارب شخصية

التجربة الشخصية لي في السفر ساهمت في التعرف على موائد وأطعمة كثيرة مختلفة، عرفت بعض أنواعها ولم أعرف البعض الآخر، وتذوقت الكثير منها ولم يرق لي بعضها، بل شاركت في لجنة تذوق أصناف طعام من إعداد من طهاة في أحد فنادق شرق ألمانيا ،  ولم يسمح لنا وقتها بتصوير أصناف الطعام المبتكرة لأنها من أسرار هؤلاء الطهاة،  لكن كان علينا وصف مذاقها بدقة عالية،  وكان أفضل ما جربته علي الإطلاق بيضة مثقوبة وقد حشوها بكبدة البط والتوابل والأعشاب المختلفة.

في اليونان اكتشفت أن محشي ورق العنب المحشو بالرز والتوابل ولحم الضان،  هو أفضل أنواع المحشي على الإطلاق مقارنة بمصر وشمال أفريقيا وتركيا،  أما في جزيرة تكسل الهولندية فيمكنك تناول أفضل أنواع لحم الضان الخالي من الدهون،  وفي قرى جبال الألب يمكن تناول فطيرة محشوة بأنواع خاصة من النباتات البرية المفيدة صحيا والتى لا يعرف أسرارها إلا سكان الجبال هناك.

الإنسان يعرف الطهي قبل مليون ونصف عام

الأوربيون يسرفون في أكل اللحوم الحمراء، أما الأسيويون فيأكلون الحشرات لأنها غنية بالبروتين، ورغم التقزز من أكل الحشرات والزواحف،  إلا أن العلماء يصفونها بأنها تحتوي على عناصر غذائية كاملة،  وهي تعتبر وجبة أساسية في بلدان أسيا وأمريكا اللاتينية.

يري خبراء التغذية في العالم أن الفرق بين الإنسان والحيوان لايكمن فقط في الفروق البيولوجية والتفوق العقلي بينهما،  إنما أيضا يكمن في وصول الإنسان إلى التفوق والابتكار في صناعة طعامه وطهيه والاستمتاع بتذوقه،  وهو الأمر الذي لا تستطيع الحيوانات حتي الآن الوصول إليه، ففي الوقت الذي ما زالت الحيوانات فيه تتغذي علي أوراق الأشجار والحشرات واللحوم النيئة، فإن الإنسان استطاع قبل مليون ونصف المليون عام أن يطور بدائيته في تناول الطعام النيئ كالحيوانات إلى الطعام المطهي ذو المذاق الجيد،  لقد ساعد ذلك التطور في النظام الغذائي في تحسين شكل الإنسان الخارجي،  فانكمشت معدته بعد أن كانت كبيرة الحجم بسبب تناول الطعام النيئ،  ومن ثم أصبح الهضم سهلا وامتصا ص الطعام أفضل، فتسبب ذلك في كبر دماغ الإنسان نسبيا ليتناسب مع حجمه ويصبح الشكل الخارجي أفضل من ذي قبل.

الطعام يقوي العلاقات الاجتماعية بين الناس

يقترب الناس من بعضهم البعض عندما يجتمعون على مائدة الطعام،  فالأسرة تجتمع كاملة وقت الطعام ، ورجال الأعمال يعقدون صفقاتهم على موائد الطعام ، ورؤساء الدول يحيون بعضهم البعض بالموائد الفاخرة،  وفي بلاد الشرق يقسمون  بأكل العيش والملح، وفي عالم الحب والجنس يلعب الطعام وأصنافه دورا كبيرا في تشكيل المناخ الإيجابي للأحباء والعشاق .

جمال الإنسان ووزنه يتأثران كثيرا بأسلوب ونوع الطعام ، فالرفاهية وتوافر الغذاء وقلة الحركة وكذلك التعب النفسي يحدث خللا في الوزن. وفي ألمانيا علي سبيل المثال ينفرد كل واحد من ثلاثة أشخاص بالوزن المثالي الذي يوافق المعاير الدولية الصحية في حين أن الآخرين لا يتمتعون بهذه الصفة.  

الشراهة في الطعام هي الأخرى داء عضال لم يستثن منه ملوك وأمراء،  وفي إقليم بافاريا اشتهرت قديما الإمبراطورة سسي بالشراهة في الأكل  ولم تفلح المحاولات في منعها من تلك الشراهة ، كذلك  كان الملك البافاري لودفيج الأول لم يكن يشبع على الإطلاق،  وفي العصر الحديث هناك آلاف الأمثلة من المشاهير وغيرهم الذين يرتبطون بعلاقة وثيقة بالطعام الذي يشكل عاملا أساسيا في حياتهم لا يستطيعون الانفكاك منه .

كهنة مصر القديمة يفقدون حياتهم بسبب الشراهة في الطعام

في كل الحضارات القديمة كان الاهتمام بالطعام كبيرا لأنه  أحد أهم عناصر استمرار الحياة للبشر،  تقول البروفيسورة  "روزيلا ديفيد"  من جامعة مانشيستر في بحث لها، إن كهنة وخدمة المعابد الفرعونية المصرية كانوا مصابين بالتخمة ، ويعانون من السمنة المفرطة وأمراض تصلب الشرايين ، بسبب  الشراهة في تناول الأطعمة الدسمة التي كانت تقدم كقرابين لـ"الآلهة الفرعونية".

 معظم الكهنة كانوا يتوفون في سن مبكرة  بين الأربعين والخمسين بسبب تكلس الشرايين والأزمات القلبية من جراء الطعام الدسم. الطريف أن الكهنة الذين لعبوا دور الوسيط بين "الآلهة الفرعونية" وعامة الناس هم الذين نصحوا الناس بهذه النوعية من الطعام حتي يتقربوا إلى الآلهة طلبا لطول العمر والصحة الجيدة، لكن لسوء الحظ كان الكهنة هم أول من تضرر من تلك الأطعمة التي عجلت بموتهم في سن مبكرة .

إذن لم يعد الطعام مجرد حشو للبطن بل أصبح أكثر من ذلك بكثير،  وتحول إلى فن وصناعة كبيرة تتحكم في شهوة الإنسان وإقباله على الطعام،  لكن يجب الحذر دائما من تحول الطعام من أداة للاستمرار في الحياة إلى أداة لتقصير هذه الحياة بسبب التناول الخاطئ والإسراف فيه .

 نقلا عن الجزيرة مباشر

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017