الرئيسية / أخبار / فلسطين
نابلس القديمة تتجدد وتعيد الاعتبار لتاريخها المجيد
تاريخ النشر: الأحد 10/09/2017 06:23
نابلس القديمة تتجدد وتعيد الاعتبار لتاريخها المجيد
نابلس القديمة تتجدد وتعيد الاعتبار لتاريخها المجيد

عبد الحميد صيام

يقول النابلسيون أن نابلس القديمة لا يعرفها إلا أصحابها. وجدت نفسي أتفق مع هذا القول تماما بعد الجولة التي قمت بها في المدينة العتيقة بصحبة المربية الاجتماعية جهاد قمحية، احدى بنات العائلات العريقة في المدينة التي ظلت لقرون المركز التجاري الأهم في فلسطين. فرغم أنني أعرف المدينة منذ الطفولة وزرتها مرارا وتكرارا إلا أن زياراتي كانت تقتصر على التنزه في أعلى مكان في جبل عيبال يطلق عليه «سما نابلس» أو التجول في وسط المدينة قبل الزيارة الحتمية لمحلات العكر، أشهر وأعرق محلات كنافة في نابلس وفلسطين كلها، أو اختيار أحد مطاعم بلدة رفيديا الحديثة التي أصبحت جزءا من نابلس بعد تمدد جامعة النجاح وابتلاعها للعديد من ضواحي المدينة. وللعلم فجامعة النجاح، أكبر الجامعات الفلسطينية وتضم أكثر من 20 ألف طالب موزعين على 13 كلية وتحتل المركز الأول في الجامعات الفلسطينية والمركز 21 من مجموع ألف جامعة في الوطن العربي.

العراقة والمنتوجات المحلية

يقال في فلسطين إن أهل الخليل تفوقوا أخيرا على أهل نابلس في الصناعات المحلية. لكن نابلس ستظل تفاخر بأنها غابة زيتون فلسطين ومركز الصناعات المتعلقة بالزيت وخاصة الصابون الأصلي المشهور. وقد دمرت إسرائيل العديد من المعامل المحلية أثناء اجتياح نابلس عام 2002 حيث فرض منع تجول شاملا في المدينة استمر 22 يوما متواصلة وحصارا واغلاقات وعقوبات جماعية لعدة سنوات. لكن نابلس بدأت تستعيد حيويتها وتشمر عن ساعديها وتعمل على إعادة أمجادها ليس في صناعة الصابون فحسب بل في العديد من الصناعات المحلية مثل الأثاث والأدوات المنزلية والبهارات بأنواعها وغيرها الكثير. لكن لم يبق في نابلس القديمة إلا أربع مصابن بعد أن كانت هناك 30 في القرن التاسع عشر، بسبب مضايقات الاحتلال وعزوف الأجيال الجديدة عن استخدام الصابون الأصلي المصنوع من زيت الزيتون والتحول نحو المنتوجات الصناعية الحديثة المعطرة والرخيصة.
بدأنا الجولة من المكتبة الوطنية المقامة في مبنى عثماني ما زال يحتفظ بالعلم الأحمر منحوتا في وسط نافورة الماء في حديقة المكتبة والتي أصبحت ملتقى لكبار السن يتسامرون فيها حيث يجلسون على شكل دائرة يناقشون مواضيع مختلفة تتعلق بالوطن ونابلس وحقوق المتقاعدين والأوضاع الصحية، وقد يدعون خبيرا في جلساتهم للتركيز على موضوع يشغل بالهم.
رافقتنا مسؤولة المعلومات في المكتبة، غادة حلاوة، وأطلعتنا على الكنوز التي تضمها المكتبة التي أسست عام 1960 وأصبحت تحتوي الآن على 127 ألف مجلد. وأول ما تدخلها تجد صورة كبيرة لشاعر نابلس الأشهر إبراهيم طوقان الذي واكب جهاد الشعب الفلسطيني عام 1948 وما قبله وسجلها بقصائدة الخالدة. وفي الطابق الثاني هناك جناح يضم مكتبة الدكتور قدري طوقان العالم والأديب والفيلسوف والقومي والمناضل والسياسي الذي شغل منصب وزير الخارجية الأردني عام 1965 وترجم لكبار العلماء المسلمين مثل الرازي والبيروني وإبن هيثم وغيرهم وتوفي في نابلس 1971 وقد أوصى أن تمنح كل مقتنايته للمكتبة. وهناك جناح نادر يدعى «مكتبة الأسير» وفيه آلاف من المدونات اليدوية التي كتبها الأسرى. وقد اطلعت على قصائد جميلة لأحد الأسرى ومحاضر اجتماعات وبيانات سياسية ونوادر وكتب كان يطالعها الأسرى. وهذه أول تجربة في البلاد لتجميع ما كتبه الأسرى وهي في طريقها للتوسع. كما أثارت اهتمامنا الأنشطة الطلابية التي تعقدها المكتبة في الصيف وقد شاهدنا كاتبة نابلسية تعطي دروسا لطلبة أقسام المتوسط في موضوع «الكتابة الإبداعية».

في المدينة القديمة

قالت محدثتي جهاد: تتكون المدينة القديمة في نابلس من ثمانية أحياء هي الياسمينة والقريون والعقبة والقيسارية والحبلة والفقوس والنصر والغرب، ولا يزيد سكان هذه الأحياء عن 9000 نسمة، فقد اضطر العديد من سكان هذه الأحواش الضيقة إلى هجرتها أيام الحصار والاغلاقات ومنع التجول التي طالت المدينة خلال الانتفاضة الثانية. كانت هذه الزواريب والزنقات ساحة المواجهات بين المناضلين وجنود العدو أثناء الانتفاضتين لسهولة الاختفاء وتضليل قوات العدو أثناء الملاحقات. وفي إحدى المرات بعد أن تصيد الشباب جنود العدو قامت إسرائيل بقصف المنطقة بالطيران الحربي من نوع ف- 16 لأول مرة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لا يمكن لنا أن نزور كل هذه الأحياء في يوم واحد والتي يجري الآن ترميمها شيئا فشيئا بجهود أبناء المدينة وأثريائها والجمعيات الأهلية والمنظمات العربية والدولية ولكننا سنتوقف عند أهم معالم المدينة المرممة، قالت جهاد.

حمام السمرة أو حمام الهنا

أول وقفاتنا في المدينة القديمة وبعد المرور في العديد من الزنقات في حمام السمرة الذي كتب على مدخله أنه أسس عام 150 قبل الميلاد وخضع لعدة تجديدات بداية من عام 1996 ثم تم إغلاقه في الانتفاضة الثانية وأعيد ترميمه على يد حازم مرعي حسب أقوال إبنه عنان مرعي مدير الحمام الذي قدم لنا شرحا وافيا له وقال عنه «إنه أقدم حمام في العالم ما زال قائما وفعالا». وقال إن نابلس التي بناها الرومان كان يقطنها السامريون الذين شيدوا الحمامات في المدينة. وقال إن طائفة منهم ما زالت تعيش في المدينة وتنتمي للدين اليهودي ولكن ليس كما يمارس في إسرائيل ولذلك تمسكوا بمدينتهم وإندمجوا مع أهلها ورفضوا عروض إسرائيل في الحصول على الجنسية الإسرائيلية والرحيل عن المدينة. الحمام يستقبل النساء في أيام معينة أو عن طريق الحجز لمجموعة نسائية فيتم إخلاءه لهن. أطلعنا عنان على أقسام الحمام الذي يستقبل العديد من السياح الأجانب نظرا للأجواء الجميلة التي يوفرها.

حوش العطعوط ـ الفاخورة

انتقلنا بعدها إلى حوش العطعوط ـ الفاخورة الذي افتتح رسميا قبل أيام من زيارتنا بحضور عدد كبير من المسؤولين من بينهم رئيس بلدية نابلس، المهندس عدلي يعيش، ومسؤولون من وزارة السياحة وعدد كبير من المواطنين، كما شرحت لنا ابتسام أم علاء المقيمة في الحوش والتي ساهمت بكثير من اللمسات الجمالية للحوش. وقالت إنها أصرت على إضافة الفاخورة على اسم العطعوط لأن السكان الأصليين للحوش هم أيضا من العائلتين منذ أكثر من 200 سنة. وقبل إصلاح الحوش كانت الحياة جدا صعبة للعائلات الخمس والعشرين اللاتي يسكنّ الحوش لقلة التدفئة والإنارة والماء والخدمات.
شرحت أم علاء كيف أن جهودا كثيرة تضافرت لترميم الحي عن طريق مؤسسة تعاون المعنية ببقاء الناس في بيوتهم وتحسين معيشتهم، وبتمويل من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بقيمة تقدر بمليون ومئة ألف دولار، وبإدارة البنك الإسلامي للتنمية. بدأت أعمال الترميم عام 2012 وانتهت في أوائل اب/أغسطس من هذا العام. أم علاء قادتنا إلى حجرة صغيرة في الحوش وقالت «هنا كان المرحوم ياسر عرفات مختبئا عند احتلال نابلس عام 1967 ومن هنا بدأ تنظيم صفوف مقاومة الاحتلال». قرأنا على اللوحة المثبتة على الحائط وعليها صورة عرفات «من هنا كانت الحكاية… هنا كان ياسر عرفات… هنا في حوش العطعوط قاد العمل الفدائي». شملت أعمال الترميم دعم الواجهات الحجرية والمصاطب والأبنية وإصلاح كل الأجزاء المهدمة وتبليط الأرضفة ونشر أضواء عالية الطاقة كما تم دهان الغرف من الداخل والخارج وإصلاحها والتأكد من وجود المياه باستمرار وقنوات الصرف الصحي والكهرباء، وتبليط الساحات جميعها ما أضفى على المكان مسحة جمالية مع إعادة الإعتبار للتاريخ وأصالة المكان.

خان الوكالة

تابعنا المسيرة في الأحياء القديمة الضيقة ومررنا على الكنائس والمساجد وصبانة النابلسي ومسجد النصر القديم ونبع القريون الذي تم ترميمه أيضا ويعتبر من مصادر المياه الأساسية للمدينة ودرج القريون التاريخي الذي رمم بتمويل من صندوق النقد العربي وصندوق الأقصى وقصر آل هاشم الذي يمر بمرحلته الثانية من الترميم وساحة التوتة وديوان آل خماش ودار النابلسي ودوار الساعة. لكن أثار الأسى في قلوبنا هو أن قصر حسين عبد الهادي المبني منذ عام 1820 لعائلة عبد الهادي العريقة والذي كان لنحو قرنين أكبر قصر في نابلس، ما زال مهملا تتريض فيه القطط والكلاب الضالة وترمى فيه القاذورات. نتمنى أن يعطى الانتباه الكافي لهذا المعلم التاريخي والعمل على إعادة الهيبة له أسوة بالمعالم الأخرى.
من هناك توقفنا عند خان الوكالة الذي كان في غابر الأيام منامة للتجار ومربطا للخيول والحمير والدواب عندما كانت نابلس مركزا للتجارة وممرا للتجار من الشام إلى مصر. أنشئ الخان عام 1886 وتعرض للإهمال ودمر بشكل كلي تقريبا في زلزال عام 1927 كما شرح لنا المدير الإداري للخان، مهند السايح، والذي أسهب في وصف عمليات الترميم التي مر بها الخان: «بدأت العمليات بإشراف بلدية نابلس عام 2005 بمنحة من الاتحاد الأوروبي ومنظمة اليونسكو واستكملت مراحلها الأولى عام 2012. ثم تابع مستثمرون الترميم فتحول الآن إلى فندق ومقهى ومطعم ذات أجواء تقليدية رومانسية مميزة تشعر وأنت في هذا المكان كأنك في زيارة للتاريخ. وسيكون الافتتاح الرسمي لخان الوكالة قريبا بحضور رئيس البلدية ومسؤولي وزارة السياحة وأبناء نابلس» قال السايح ونحن نودعه لاستكمال جولتنا في المدينة العريقة.


وقبل أن أودع نابلس أصرت المربية جهاد قمحية أن تستضيفني في بيت العائلة العريق لتذوق نوع من الحلوى المشهورة في نابلس شهرة الكنافة يدعى الكلاج (النوابلسة يلفظونها الاز) من صنع يدي أخيها منصور فكانت أجمل نهاية لأجمل زيارة قمت بها للمدينة المسماة «جبل النار». نتمنى أن يأتي اليوم الذي تعيش فيه نابلس وأخواتها من مدن فلسطين بسلام حقيقي مبني على العدل لنعطي كل مدينة لقبها التي تستحق والمستوحى من التاريخ أو التراث أو الصناعات المشهورة.

 القدس العربي

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017