الرئيسية / أخبار / فلسطين
التسعيني سوالمة: حارس النهر الغائب...
تاريخ النشر: الأحد 08/04/2018 20:38
التسعيني سوالمة: حارس النهر الغائب...
التسعيني سوالمة: حارس النهر الغائب...

طوباس: استردت الحلقة (64) من سلسلة (ذاكرة لا تصدأ) لوزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، واللجنة الشعبية للخدمات في مخيم الفارعة سيرة التسعيني جميل ضيف الله سوالمة، الذي غيبه الموت أمس، قبل تحقيق حلمه بالعودة.

وأعادت الحلقة الحوار الذي وثقته مع سوالمة، وفيه الحنين لنهر قرية العوجا القريب من يافا، ولقريته (عرب السوالمة) التي كانت مسرحًا لطفولته. وقال قبل الرحيل: كانت قريتنا مجرى نهر العوجا. شمال يافا، وأحاطت بنا أراضي عرب أبو كشك، والشيخ مونّس، وإجليل القبلية. وكانت بلدنا ترتبط باسم عائلتا.

وباح بوجه فاض بالتجاعيد، وشعر أشتعل بالشيب: كانت بلدنا سهل مثل الكف، وكنا غرب نهر العوجا، ونجاور ملبس من الشرق، وأرضنا حمراء مثل كبد الشنار، ولم يكن في سهلنا أي حجارة، وزرعنا البطيخ، والشمام، واللوبياء، والقرع، والبندورة، والسمسم، والترمس، عدا عن بيارات البرتقال والليمون. وكنا نروي مزروعاتنا بسحب مياه النهر بالماتور، ونضع شباكًا عليها خشية أن تدخل الأسماك على الأنابيب وتتلفها.

أسمالك وذكريات

وسكنت في ذاكرة سوالمة، اللحظات الجميلة التي كان يصطاد فيها السمك من النهر المار بقريته، فيرمي ورفاقه الشباك، أو يلتقطون سمك المشط، والقرابيط أو العكليك( تشبه الأفعى، وتعيش دون ماء حوالي 24 ساعة)، بعد رمي الأدوية لها ( حبوب منومة)، ويُسرعون بها إلى المنزل بفرح. فيما كان الصيادون، الذين يلتقطون أرزاقهم من النهر، يستخدمون شباكاً أكبر، وينقلون صيدهم للبيع في أسواق يافا وملبس.

ومما نقله صاحب الجسد المنهك والذاكرة الحية: كانت في القرية مدرسية أهلية يديرها الشيخ حمدان أبو إسماعيل من كفر قدوم، والثانية للحكومة ومديرها شاكر أبو كشك. وتعلمت للصف الثالث، ودرسنا عند الأستاذ راتب ضيف الله، وقرأنا الحساب والعربية والقرآن. وأحفظ إلى اليوم أشعار: "على اليرموك قف واقرا السلاما، وكلِّمه إذا فهم الكلاما، وقل يا نهرُ ها هاجتك ذكرى، شجَت قلبي وحرَّكت الغراما، هنا الإسلام ضاء له حُسامٌ، غَداة استلَّ خالده الحُساما، وهبَّ أبو عبيدة مثلَ ليثٍ، يقود وراءه الموت الزُّؤاما ...."

ملبّس وخيول

وأضاف بحسرة: كان نهر العوجا يتلوى داخل أراضنا مثل الأفعى، وكان يفيض في الشتاء، ويسحب معه الأسماك، والكثير من الأشياء، فيما كانت بيوت القرية من القرميد الأحمر، أما الشوارع فرملية تسير عليها عربات الخيول ( برأس واحد أو بزوج منها)، ذات الدواليب الخشبية والمعدنية، وليس المطاطية كما هو الحال اليوم، وعُرف أخي رشاد بمهاراته على إصلاحها. ولم يكن في القرية سيارات.

واستذكر الراوي قبل الأجل المحتوم: كان في بلدنا أربع عائلات: الحشاشين، والقراعين، والسوالمة، والعرايشة ( من العريش المصرية، ويأتون للعمل أيام الحصيد، ويسكنون في بيوت الشعر). وكنا نذهب ليافا وملبس ( التي حرّف الاحتلال اسمها إلى بيتح تيكفا)، ونشتري حوائجنا، ونبيع محاصيلنا.

ومضى: كانت أفراح قرية تطول لسبعة أيام، وينصبون لها بيوت شعر، ويُغنون، ويزفون العريس على الخيل، أما المهر فنحو 50 جنيهاً. ويحتفظ السوالمة حتى اليوم بالأسماء الشعبية لأراضي العوجا وقريته، كالجدوعية ( المشهورة بالزراعة طوال النهر)، والحَمام( عُرفت بنمو محاصيلها كثيراً، ما كان يدفع الفلاح لقص نبات القمح مرتين)، والمِقصّر( غرب النهر).

ولا تفارق السوالمة، مشاهد الاقتلاع القاسية من القرية خلال النكبة، حين خرج وأفراد أسرته مشياً، وساروا حتى احتموا في بيارة برتقال بجلجوليا، ثم انتقلوا إلى قلقيلية، ووصلوا مخيم الفارعة، وانتظر تحقيق حلم العودة ليفر وقت الحر إلى النهر، ويصطاد السمك الطازج، ويمشي في حقول القرية، ذات الخير الوفير، لكن القدر عاند رغبته.

توثيق وقصص

بدوره، قال منسق وزارة الإعلام في طوباس، عبد الباسط خلف، إن" كواكب لا تغيب" جمعت، منذ إطلاقتها عشرات الشهادات، عن القرى وعاداتها وتقاليدها وأفراحها وأتراحها ومدارسها وزيتونها وكل شيء فيها، لكن الموت غيّب حتى الآن، عشرة رواة عاشوا لحظات النكبة القاسية، ونقلوا الحكاية للأجيال.

وأضاف: بنت الوزارة شهادات مرئية تقطر حنينًا لحيفا، ويافا، وقرى الكفرين، وإجزم، وقاقون، وصبارين، والفالوجة، وأم الزينات، وشحمة، وبعلين، وستنفذ في السنوية السبعين للنكبة حلقات خاصة مع حراس الذاكرة خلال أيار القادم.

 

 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017