الرئيسية / مقالات
الخليلي السّاخر!! صلاح حميدة
تاريخ النشر: الأربعاء 02/07/2014 19:47
الخليلي  السّاخر!! صلاح حميدة
الخليلي السّاخر!! صلاح حميدة

 يشتهر الخليلي بأنّه عمود النكته الفلسطينية، فهو كالطفيلي و الحمصي و الصعيدي يشكل مادة النكت والتّنَدّر، الخليلي هو "جحا" الفلسطيني الذي نسخر من أنفسنا أو ننتقدها عبر تناوله في النّكتة، و هو مرآتنا التي ننظر إليها و نعبر فيها عما يجول في أنفسنا بإسقاطه على الخليلي، و خلفية هذه النّكات تنبع من عجز و حسد و غيرة من نجاحه عبر السخرية منه، كما يقول أحد الباحثين المهتمين في  النّكتة.

بعد حادثة اختفاء المستوطنين الثلاثة قرب مدينة الخليل اشتعلت الأراضي المحتلة بعشرات النكت المكتوبة و المصورة التي تتناول الخليلي و دوره في تلك العملية، و المفاجىء في هذا السيل من النكت أنّها تناولت الخليلي بطريقة مغايرة عن تلك التي كانت تظهره عليها من قبل، فالخليلي  يتلاعب بالمحقق الإسرائيلي ويسخر منه و في النهاية يوصله إلى لا شيء، فهو رابط الجأش الذي لا يعترف و هو المتحكم بإدارة معركة التحقيق، و بعد أن يذهب بالمحقق عبر الأحياء و الحارات و العمارات و الشقق و الغرف و الأدراج والخزائن، يقول له في النهاية: ( يوجد هناك مصحف، هاته حتى أحلف لك عليه أنني لا أعرف أين الجنود)، و تبع ذلك محادثات أخرى على وسائل التواصل الاجتماعي تسخر و تستدرج الناطق بلسان جيش الاحتلال في نفس السياق، بطريقة جعلت منه أُضحوكة، حتى لدى نتنياهو الذي انتقده في فيديو ساخر مدبلج، قائلاً له: صرت أشهر من "اللمبي".
تزامن اختفاء المستوطنين مع المونديال أدى لخروج نكات ذات نكهة مونديالية، فقارنت الحادثة بأسر الجندي جلعاد شاليط في غزة، فقالت: مونديال تحرير الأسرى..غزة 1 و الخليل 3، فيما انتشرت رسومات تظهر نتنياهو يتعرض لثلاث ركلات من لاعب كرة قدم خليلي ( ثلاثة شلاليط) و أظهر رسم ساخر آخر كأس العالم بشكل أسرى يرفعون شارة النصر، و هذا يعكس تصاعد الحالة المعنوية للجمهور الفلسطيني التي تسببت بها مهارة "اللاعب الخليلي".
بعض النكات تناولت الخليلي المبدع الذي يعجز الجميع عن مجاراته، فالطبيب يسأل نتنياهو: من إيش بتشكي؟ فيرد: من الخلايلة، و أخرى تقول: إنّ نتنياهو غير رنّة موبايله إلى "دايماً دموع..دايماً عذاب" .. وفي نكتة تتناول اتصال نتنياهو بمحمود عباس، حيث تظهرهما الصورة و نتنياهو يرجوه أن يعثر على الجنود، فيقول له عباس: هدول خلايلة ما بقدر عليهم...و أخرى تظهر نتنياهو و هو في اجتماع قادته الأمنيين ينظر حائراً إلى خارطة الخليل، و عبارات" ممكن هون.. لأ ممكن هناك...الخ"... بينما تقول نكتة أخرى أنّ خليلياً أراد أن يلعب لعبة "طرنيب" و التي تحتاج لأربعة لاعبين، فقام بأسر الثلاثة ليلعبوا معه تلك اللعبة الطويلة الزمن و المعقّدة، و في هذه إيحاءات صريحة بأنّ الخليلي يلعب مع ثلاثة أطراف، ويعتبر أنّ الندية بأن يلاعب ثلاثة لا واحداً، بل يزيد بأنّه يلعب بنفس طويل و يدرك قدرته و قدرات خصومه، وهذه كلها تظهر حالة من العجز أمام العقل الخليلي الذي ينسب له هذا الفعل.
في حالات أخرى يتم إسقاط حالات و مصطلحات من الربيع العربي على ما يجري، و تظهر الخليلي في موقف القوي القادر، و المستوطنين في موضع الخائف الذي يستجدي السلامة، فتظهر إحدى النكات المستوطنين يركضون في شارع في الخليل بلا سلاح و يصرخون: سلمية...سلمية، بينما يظهر شعار جديد لهذه الحالة الخليلية اللافتة من وحي شعار رابعة، فيخرج الخليل شعار ثلاثة أصابع، و ربما لهذا ارتباط بمجاراة شعار رابعة و صور مرسي في مسيرات التضامن مع الأسرى، فالخليلي يعتبر أنّ التصدي للانقلاب في مصر مرتبط بأسر المستوطنين و تحرير الأسرى، و يجعلها معركة شعورية و قيمية واحدة ضد الاحتلال و الانقلاب، في ظل تنصل الحكم الجديد من كونه ضامناً لاتفاق التبادل (شاليط مقابل ألف أسير) الذي رعاه الرئيس محمد مرسي.
الخليلي تاجر ناجح... هكذا هو في الواقع وهكذا هو في النكتة، ولذلك لا يمكن أن لا تتطرق النكتة لهذه الميزة التي يلمع فيها الخليلي، فنرى بعض  النكت تفسر سبب أسر ثلاثة مستوطنين لأنّ الخليلي تاجر جُملة و لذلك فهو لا يكتفي بأسر واحد، بينما تفسره أخرى بأنّه  لمساعدة الخليلي في قطف العنب، و الخليل معروفة بعنبها الذي يستهدفه المستوطنون بالحرق و التخريب، و لعل النكتة تريد لفت النظر إلى أنّ هؤلاء معتدون على أرض الخليلي و مورد رزقه، و أنّ هذه العملية تأتي في إطار التصدي لمعتدين مغتصبين، كما تشكل هذه الحادثة منعطفاً في المشاعر و الوعي الفلسطينيين، فمن المعروف أنّ الفلسطيني يذهب للعمل في مزرعة الإسرائيلي، و هنا يحدث العكس.
 و تظهر نكتة أخرى استخفاف الخليلي  بعملية البحث عندما يسأله رجل المخابرات إن كان عنده (أسير) إسرائيلي؟ فيرد عليه بإسقاط تجاري: لأ عندي أسير مانجا....يقصد العصير، لكنّه يلفظها بلكنة أجنبية.
 و في نكتة مصورة أخرى تظهر السيارة التي يقال أنّها أقلت المستوطنين و هي محترقة، و يظهر تحتها تعليق "خردة للبيع" فحتى في هذه يتم استخدام مصطلحات تجارية ساخرة، و لعل الاحتلال قرر معاقبة الخلايلة من ناحية اقتصادية بسبب واقع ( الخليلي التاجر) بينما ترد نكتة أخرى مُظهرةً الخليلي الذي لا يتأثر من هذا العقاب و يرد برباطة جأش و تصميم  حيث يقول لمراسل صحفي إسرائيلي: ( قلنالكم روحوا أولادنا بلمليح، ما رديتوا.. إلقوا هللأ) و تتبعها نكتة مصورة بالفيديو من فيلم  مدبلج و كأنه لنتنياهو و مساعديه، يفقد فيه أعصابه قائلا: الخليلي لو خبّى شيكل كل الدنيا ما بتعرف وينه، إلا هو و ربنا.. الخلايلة علّموا علينا .....
أما "جلعاد شاليط" فكان حاضراً هو الآخر في هذا السيل من النكات، فتظهر إحدى النكات نتنياهو يتوعد الإسرائيليين بالعقاب إن أطلقوا على أبناءهم اسم "جلعاد" لأنّ أحد الأسرى اسمه "جلعاد" و هذه تعكس تخبط و يأس و قلة حيلة، حيث تفسر الحدث و كأنّه شؤم و نحس من الاسم "جلعاد" الذي يلاحق حكم نتنياهو.
 وفي نكتة أخرى يظهر "جلعاد" في موضع (اللمبي) حيث تسأله المراسلة عن نصيحته للمأسورين، فينصحهم بأن يسمعوا الكلام حتى يعودوا لأهلهم سالمين، و هذه تظهر الخليلي الآسر كمتحكم بشاليط حتى بعد الإفراج عنه، و ترسل رسالة للاحتلال بأنّ حرية المأسورين مرتبطة بتنفيذ طلبات الخليلي الآسر، بينما تظهر أخرى جلعاد شاليط كمن يسخر من المأسورين الثلاثة و يقول: هييي... انخطفوا!! و كأنّه فرح بنجاته و ساخر ممن لم يتعظوا بما حصل له، و لهذه إسقاطات سياسية مرسلة للاحتلال بأن يتعظ مما جرى لشاليط و ما جرى لكل الذين احتلوا أراضي الآخرين.
وبالإضافة إلى شاليط فإنّ قطاع غزة كان حاضراً أيضا، فقد ذكرت إحدى النكات أنّ الأسرى انتقلوا إلى قطاع غزة عبر البلوتوث، و هي رسالة إعجاب بالآسرين و تسخر من الاحتلال الذي ترى أنّ جهوده لن تفلح في الوصول لجنوده المأسورين، و تنظر ل (غزة) كمنطقة ارتكاز و دعم و أمان يلجأ لها من يريد أن يخبّىء الأسرى، و في نفس الوقت تظهر غزة كمنطقة مرهوبة الجانب من قبل الاحتلال "الداخل فيها مفقود و الخارج منها جلعاد" كما قالت إحدى النكات، و كذلك تظهر تلك النكات قدرات الخليلي الاستثنائية التي يستطيع من خلالها أسر ثلاثة مستوطنين و نقلهم إلى "مثلث برمودا الغزاوي" كما قالت نكتة أخرى، كما توحي تلك النكات بأنّ قطاع غزة أصبح مدرسة و قُدوة للفلسطينيين.
و قبل رمضان تجتاح حمى مسلسل باب الحارة المجتمع الفلسطيني، و لذلك يظهر أبو محمود يسخر من نتنياهو و هو يقهقه، بينما يسخر أحدهم من أفيخاي أدرعي بأنّه يعرف أين المأسورين، و عندما يسأله أفيخاي عن المكان، فيقول: له في حارة الضبع و أخرجهم معتز من قنوات جر المي  و حطهم عند أبو حسن في الغوطة. و في هذه الحالة يتمُّ استحضار فكرة الأنفاق التي يتميز يها الغزيون، و كأنّ الخليلي يقول: للغزيين أنفاقهم و لنا أنفاقنا و متاهاتنا، بينما يظهر نتنياهو في فيديو ساخر يأمر جميع مساعديه بالخروج من القاعة ما عدا النّمس و أبو جودت و نوري، و هي شخصيات و أدوات للاحتلال الفرنسي مكروهة و منبوذة من مسلسل باب الحارة.
أما إضراب الأسرى و الفعاليات المرتبطة به فكان لهما نصيب من النّكت أيضا، فنكتة تقول: إنّ المستوطنين الأسرى دخلوا اعتقالاً إداريا، بينما تقول أخرى:  إنّ أُم أحد الأسرى اتصلت بالإذاعة و طلبت أغنية ( مكتوب عجبينك بطل يا ساكن الزنازين).. و تذكر إحدى النّكات: إنّ الأسرى الثلاثة دخلوا في إضراب عن الطعام تحت شعار( بيرة و ثلج) نسبة إلى شعار (مي و ملح) الذي يرفعه المعتقلون الفلسطينيون المضربون عن الطعام، بينما تتطرق نكتة أخرى إلى قمع بعض المسيرات التضامنية مع الأسرى الفلسطينيين من قبل الشرطة الفلسطينية بطريقة غير مباشرة، و تقول إن: الشرطة الإسرائيلية قمعت مسيرات للمستوطنين متضامنة مع زملائهم المأسورين المضربين عن الطعام، و في هذه إشارات غير سارة لمن قرر فعل ذلك، فهي تنتقد الفعل و تدينه عبر إسقاطه على الأعداء.
لا يمكن أن يضع الانسان كل النّكات التي انتشرت خلال الأيام القليلة الماضية موضع التصنيف و التحليل في مقالة واحدة، و لكن من المؤكد أنّها شكلت حالة مستحدثة و مغايرة للنمط التقليدي للنكات، فأهم ميزة لها أنّها نقلت الخليلي من موضع السخرية و التهكم إلى موقع الاعجاب و الافتخار و أن يصبح هو الساخر من الآخرين، و هذه مصالحة ثقافية مع الخليلي لم يتوقع أحد أن تحدث،  أثبت العمل الثوري قدرته على تغيير ثقافات الشعوب في أيام، بينما يتم العمل على تشويه الوعي و الثقافة الأصيلة للشعب الفلسطيني منذ عقود .
 
تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017