الرئيسية / مقالات
يوميات مواطن عادي (28) ذئب العدوان الاسرائيلي... وقصاصي الأثر
تاريخ النشر: الجمعة 11/07/2014 19:57
يوميات مواطن عادي (28) ذئب العدوان الاسرائيلي... وقصاصي الأثر
يوميات مواطن عادي (28) ذئب العدوان الاسرائيلي... وقصاصي الأثر

 لليوم الخامس على التوالي يتواصل العدوان الإسرائيلي "المكثف" على قطاع غزة. ويواصل جيش الإحتلال الإسرائيلي على مدار الساعة قصفه الجوي والبري والبحري على كل شبر من قطاع غزة. وتتحدث روايات الشهود وتقارير وسائل الإعلام المختلفة عن المئات من الضحايا الفلسطينين بين شهيد وجريح، فضلا عن المنازل والمنشآت التي يجري تدميرها نتيجة هذا القصف. بكل سهولة يمكن للمتابع العادي ملاحظة أن أكثر من نصف أعداد الشهداء والجرحى هم من المدنيين، وبالأساس من الأطفال والنساء وكبار السن والمواطنين العاديين. ويتحدث جيش الإحتلال عن ضرب ما يزيد عن ثمانمائة هدف خلال الأيام الأربعة الماضية.

 

ما دعاني لكتابة هذه المقالة ليس بالطبع إستعراض أعداد وخسائر هذا العدوان، وإنما تناول موضوعة أخرى لا تقل خطورة عن فظاعة القصف والقتل والدمار الذي تقوم به آلة الحرب الإحتلالية. سبق الهجوم الإحتلالي ورافقه لحظة بلحظة هجوم من نوع مختلف من حيث الأدوات والأساليب المستخدمة، ولكنه مشابه ومكمّل من ناحية المضمون والأهداف والجوهر. وهو هجوم إستهدف بالدرجة الأولى العقول والمشاعر والأحاسيس لدى المواطن والإنسان الفلسطيني. وهناك مئات الروايات من مواطني القطاع، وتقارير متعددة ومتنوعة المصادر من وسائل الإعلام المحلية والأجنبية التي تحدثت عن منشورات تلقيها الطائرات الإسرائيلية فوق القطاع، وهناك أيضا آلاف الإتصالات الهاتفية على هواتف مواطني القطاع، وكذلك الرسائل النصية عبر الهواتف المتنقلة ومواقع الإنترنت، وكلها تدعوا الفلسطينيين الى الإبتعاد عن مناطق إطلاق الصواريخ، وتحثهم على الإبلاغ عنها، أو إخلاء بيوتهم ومنشآتهم تمهيداً لقصفها وتدميرها، أو على الأقل تحرضهم ضد تنظيمات وقوى فلسطينية من خلال إتهامها بأنها السبب والمسبب لما يحل بهم من قتل ودمار.

 

 التحليلات في العلوم النفسية والعسكرية يطلقون على هذه الظاهرة ما يسمى "الحرب النفسية"، والتي تهدف بالأساس الى تحطيم نفسية الشعب الفلسطيني، وتفريغه من أي معنى ومحتوى مقاوم، أو حتى رافض للإحتلال وتبعاته في كل المجالات. بل وفي وضعنا الحالي تهدف الى إحداث شرخ بين الشعب والمقاومة، على إختلاف أشكالها وتعدد قواها وأحزابها. وهذا تحقيقا لمبدأ الفصل بين المقاومة والحاضن المجتمعي والإجتماعي لها من ناحية، ومن ناحية ثانية إجبار الشعب الفلسطيني على التسليم بالأمر الواقع، والرضوح للإحتلال وحصاره وتجويعه وغيرها من السياسات التي تهدف إجمالا الى تصفية القضية الفلسطينية بصورة نهائية.

 

هذا ليس تحليل سياسي بقدر ما هو وصف لواقع قائم، حتى بإعتراف جيش الإحتلال نفسه، وإعلاناته المتواصلة عن ذلك، بل وتماديه في الإعلان عن أنه يهدف من وراء ذلك الى تجنيب المدنيين نتائج القصف والدمار  والقتل عبر تحذيرهم بإخلاء منازلهم قبل تدميرها. وذهب بعض قادة الجيش الى القول أنهم سيعملون من أجل التأكد أن المقاومين لن يجدوا بيوتا لهم في نهاية الحرب للعودة إليها. وهو موقف أكده الإحتلال على أرض الواقع، حين دمر البيوت على ساكنيها، وقتل عائلات بأكملها داخل هذه البيوت، بل وحتى قصف بعض البيوت حين تجمع فيها وحولها عشرات السكان المدنيين ظنا منهم أن تجمعهم فيها سيحميها من بطش طائرات الإحتلال.

 

سأكتفي بهذا الإستعراض الملخص لهذا الموضوع، وما أريده هنا هو التطرق لمسألة الربط بين كل ما ذكرته أعلاه، وبين ما يقوم به عدد قليل ممن يطلقون على أنفسهم مثقفين أو محللين أو حتى أكاديميين فلسطينيين. يقوم هؤلاء، ولحسن الحظ أن عددهم محدود، يقومون خلال الآونة الأخيرة، وتحت شعار النقاش والمنطق "العقلاني"، أو التحليل العلمي والسياسي .. وغيرها من التسميات، بمحاولات لإثارة  نقاش يتبنى بالأساس نفس وجهة النظر، والرسالة التي يرسلها جيش الإحتلال وماكينته الدعائية. وهم يستخدمون أنفسهم،سواء كان ذلك قصداً أو من غير قصد، أدوات في تلك الماكينة. هذه المحاولات بقيت في بعض الأحيان في حلقات النقاش الضيقة، أو مواقع التواصل الإجتماعي، لكنها ظهرت الى العلن بشكل ملحوظ، خلال الأسابيع الأخيرة، وخاصة مع الإرتفاع غير المسبوق في حدة الهجمة الإحتلالية بعد حادثة اختطاف المستوطنين الثلاثة قبل عدة أسابيع. وظهرت بشكل مكشوف أكثر مع العدوان المكثف الأخير  على قطاع غزة.

 

تتمحور الفكرة الرئيسية لهذه المجموعة حول وجهة نظر ترى أن السبب الأساسي للعدوان الإسرائيلي هو  قيام بعض الأطراف أو القوى الفلسطينية بأعمال أعطت الإحتلال مبررات كافية لتكثيف عدوانه ضد الشعب الفلسطيني عامة، وضد قطاع غزة خاصة. بل ذهب بعضهم أبعد من ذلك والى حد القول، بالغمز واللمز أحيانا، وبالتصريح مباشرة أحياناً أخرى، أن بعض القوى "تلعب" من تحت الطاولة لإستدراج الإحتلال لهذا العدوان. ويسبهون في الشرح والتفصيل والبناء على هذه الفكرة، محاولين تسويقها، ولا يفوتهم في هذا السياق إستخدام ورقة اللعب على التناقضات والخلافات الداخلية الفلسطينية.

 

دون القفز عن الخلافات الداخلية الفلسطينية، وإنعكاسات ونتائج الإنقسام الفلسطيني، وآثارها وتفاصيلها المختلفة فانه لا يمكن لأي فلسطيني، مهما كان إنتماؤه السياسي وثقافته ودرجاته العلمية والأكاديمية وغيرها من الإختلافات ان ينكر جملة من الحقائق التي أصبحت في حكم البديهيات، ليس فقط بسبب تجربة شعبنا الطويلة في النضال ضد الإحتلال، وإنما أيضا من تجارب مختلف الشعوب والأمم التي خاضت مراحل ومعارك التحرر من التبعية والإستعمار، وهنا يلزم التأكيد على أربعة من هذه الحقائق وهي:

 

اولاً: أن الإحتلال والإستعمار غير قانوني وغير شرعي، وهو أصل المشكلة والداء. وكل ما ينبثق عنه، ويبنى عليه ينطبق عليه نفس الحكم. هذه الحقيقة أجمعت عليها البشرية. وتنامى عبر عشرات السنين شعور جماعي وجمعي لدى شعوب العالم قاطبة برفض الإستعمار ونتائجه ومخلفاته، مهما تعددت، طالت أو قَصُرت. وتكرست هذه الحقيقة في سلسلة طويلة من المواثيق والعهود والإتفاقيات الدولية التي لا تستطيع أي دولة أن تنكرها أو ترفضها.

 

ثانيا: أن الحقيقة السابقة تفرز حقيقة أخرى مفادها أن حق مقاومة والنضال ضد الإحتلال والإستعمار هو حق شرعي وقانوني لأي شعب أو جماعة أو أمة تقع تحته وتعاني من ويلاته. ولذلك فإن حق الشعوب في تقرير مصيرها بأنفسها هو أيضا حق مقدس لا يجادل فيه أحد.

 

ثالثا: عند تلك الشعوب التي تقع تحت الإستعمار فإنه من البديهي أن تتراجع درجة وحدة الخلافات والإختلافات الى درجات متأخرة، لتتقدم دائماً وفي الواجهة الأمامية الصراع والتناقض مع الإستعمار والإحتلال. وهذه حقيقة وبديهة معروفة ومفهومة، وتفعل فعلها، حتى لدى أصغر وحدات المجموعات البشرية.

 

رابعا: في مراحل الصراع بين الشعوب المَستَعمَرة ومستعمريها تستخدم مختلف الأساليب والوسائل. وإذا كان هناك من تساؤل حول شرعية وقانونية هذه الوسائل فإنه لا يوجد أي جدل حول الوسائل التي يستخدمها المستعمِرون لإدامة إستعمارهم، لسبب بسيط هو أن الأصل نفسه، وهو الإستعمار، غير شرعي وغير قانوني، وإذا كان الحال كذلك، فإنه من باب الجدل البيزنطي البحث في شرعية وقانونية هذه الوسيلة أو تلك من الوسائل التي يستخدمها الإستعمار، أو أسباب إستخدامه لها.

 

في إعتقادي أن الجدل والنقاش في الحقائق الاربعة السابقة يشبه عملية خض الماء لإستخراج الزبد منه. ونحن نفهم أن قيام الإحتلال في خض ونقاش الحقائق السابقة، إنما يأتي في سياق تبرير وتسويق وتجميل صورته القبيحة والبشعة، وهو في نفس الوقت جزء لا يتجزأ من ماكينته العدوانية التي تهدف أساسا الى تحطيم الروح المعنوية، وكسر إرادة الشعب، وضرب نسيجه ووحدته عبر تحويله الى مجموعات أو وحدات تناطح وتصارع بعضها البعض، وتناسي السبب الرئيسي والأصل وهو الإستعمار الذي يبقى جوهر المشكلة والعائق أمام نهوض الشعب الفلسطيني وتطوره. أما الأمر الذي أعتقد أنه يصعب علينا تفهمه هو أن يقع "البعض" منا في هذا الفخ، وأن يصبح، بعلم أو بدون علم، أسيراً، وربما أداة يستخدمها الإحتلال لتبرير عدوانه.

 

صور القصف والتدمير والقتل والإصابة التي نراها بكثافة على مدار الساعة لا يترك أي مجال لأي كان للتساؤل حول الحقائق الأربعة، إلا من ينطبق عليهم القول "صمُ بكمُ لا يفقهون"، ونراهم بين الفينة والأخرى يخرجون علينا "بتحليل" من هنا، أو مقالة من هناك، ينطبق عليها المثل الشعبي القائل "يرون الذئب ويتقصّون أثره". لا تمر دقيقة واحدة هذه الأيام إلا ويثبت الإحتلال أنه الذئب بذاته بشراسته وعدوانه. وفي إعتقادي ان تساؤل الشاعر العراقي مظفر النواب "كيف يحتاج دم بهذا الوضوح الى معجم طبقي لكي يفهمه" يكرر نفسه في وجه هؤلاء، صارخاً "لا يحتاج عدوان بهذا الوضوح الى نظريات وفلسفات وتحليلات كثيرة لكي نفهمه".

 

 

 

نبيل دويكات

mildin og amning mildin creme mildin virker ikke
تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017