"الحلقوم" حلوى تراثية تقاوم الاندثار
تقرير: سنابل صالح
بعد انتهاء يوم دراسي متعب قررنا التنزه في أزقة البلدة القديمة في نابلس علنا نرتاح قليلا من التعب الذي واجهناه طوال اليوم، وأثناء سيرنا متعنا ناظرينا بمشاهد قل ما نجدها في مركز المدينة، حارات قديمة، أزقه ضيقه، بيوت أثرية.. تقدمنا في البلدة شيئا فشيئا فإذا برائحةٍ شهية تغزو المكان وتدفعنا للتقدم أكثر للوصول إلى مصدرها فإذا بنا نقف أمام محل قديم ذو باب ضيق ولا يوجد أحد هناك، طرقنا الباب قليلا فإذا برجلٍ مسنٍ ثيابه ويديه ممتلئة بالطحين يخرج إلينا يبسم لنا ويقول
"أهلا وسهلا تفضلوا"
مصنع حلقوم
بعد إلقاء نظرة واسعة على المكان عرفنا أننا داخل مصنع قديم للحلقوم، عرفنا عن أنفسنا فرحب بنا صاحب المحل أبو أحمد (سليم العياد) ودعانا إلى داخل المصنع حيث كان يعد وعامله "طبخة راحه".
رائحة السكر المطبوخ تعم المكان، على يمينك وشمالك أنواع وأصناف مختلفة من الحلقوم، هذه صفراء وتلك حمراء، هذه محشوة بالفستق الحلبي وهذه باللوز وهذه لا تحوي حشوه طرية تذوب في فم متذوّقها بسهولة ويسر.
الحكاية التاريخية للحلقوم
لم يعرف التاريخ صناعة الحلقوم للمرة الأولى عن طريق الصدفة، فهذا النوع من الحلويات أُعد خصيصاً لإرضاء زوجة أحد السلاطين العثمانيين في تركيا التي تعتبر المنشأ الأول للحلقوم، فوفقًا للرواية التاريخية التي أوردها موقع نون بوست "فيُحكى أنّ أول وصفة للحلقوم التركي كانت بعدما أمر أحد السلاطين بصناعة حلوى فريدة من نوعها لإرضاء زوجته، فعمل مَن في القصر على مزج العسل والدبس والنشا والمستكة حتى كان الحلقوم، ومن ذلك الوقت أصبح جزءًا من الحياة اليومية والمناسبات الدينية والاجتماعية عن العثمانيين.
ووفقا للموقع أيضا فإنّ " أوّل من صنع تلك الحلوى الشهيرة هو "حاجي بكير"، الذي افتتح متجرًا خاصًّا له في ضواحي إسطنبول بعض قدومه من قرية " كاستامونو" الصغيرة في شرق الأناضول عام 1777، فما لبث أنْ وصلت شهرته قصر السلطان الذي منحه وسام شرف صانعي الحلوى وعيّنه الشيف الرئيسي المسؤول عن الحلويات في القصر."
الحلقوم النابلسي حلوى تراثيه صامدة:
من جيل إلى جيل يبقى الحلقوم النابلسي محافظاً على أصالته وعراقته، بمكوناته البسيطة يجذب الحلقوم الغني والفقير الصغير والكبير لتناوله، فعلى الرغم من ظهور العديد من أصناف الحلويات الشهية التي تميزت بها مدينة نابلس عن غيرها كالكنافة النابلسية والطمرية وغيرها يبقى الحلقوم بأنواعه متربعا على عرش أصناف الحلويات، حيث أن تاريخه يعود إلى مئات السنين ويوضح لنا صاحب مصنع "العياد" لصناعة الحلقوم أبو أحمد" بدأت صناعة الحلقوم الفلسطيني من قبل ال1948 حيث أن أهالي يافا أصحاب هذه المهنة نقلوا حرفتهم لنابلس وهناك مصنع الخليلي في نابلس أقدم مصنع حلقوم."
والطلب على الحلقوم ليس بالقليل فبمقابل 4_5 مصانع كانت موجودة قديماً في مدينة نابلس يوجد اليوم حوالي 40_50 مصنع لصناعة الحلقوم، ويُصدر الحلقوم إلى القدس والخليل _وبحسب أبو أحمد فإنه على الرغم من وجود مصانع للحلقوم فيها إلا أنهم يفضلون الحلقوم النابلسي_ ورام الله إضافة إلى قرى مدينة نابلس.
الحلقوم مهنته منذ نعومة أظافره:
يقف سليم العياد أبو أحمد اليوم على عتبة السبعين من عمره أمضى منها حوالي الخمسين عاما في صناعة الحلقوم ويقول عن هذه الصناعة "أنا أحب صناعة الحلقوم وبالنسبة لي فهي ممتعه للغاية "، فكان تارة عامل وأخرى معلم، حيث ترك مدرسته في سن الثالثة عشر وبدأ يتعلم صناعة الحلقوم، حيث عمل عند محل"شقو" حوالي عشر سنوات ثم عند محل "القوقا" أيضا حوالي عشر سنوات وعندما بلغ 25 عاما افتتح مصنعه الخاص ليكون أصغر شاب يمتلك مصنع بعمره.
وما لبث أن فتح محله في شارع عمان في مدينة نابلس وبدأ العمل به حتى دمره الاحتلال في أعقاب اندلاع الانتفاضة ففقد عمله وبقي لمدة سنة عاطل عن العمل، بعد ذلك افتتح هذا المصنع في البلدة القديمة منذ 14 عام ويساعده في العمل نجله أمجد الذي يتولى كافة أعمال السفر والأمور المالية للمصنع.
"الحلقوم" حلوى الشتاء:
يزداد إقبال الناس على تناول الحلويات بشكل عام والحلقوم بشكل خاص في فصل الشتاء حيث يكون الناس بحاجة إلى الطاقة التي يستمدونها من تلك الحلوى الغنية بها فتضيف هذه الراحة راحة إلى أجسامهم المنهكة وراحة أيضا في سعرها الزهيد.
يوضح أبو أحمد" في فصل الشتاء يأخذ الناس الحلقوم بكميات كبيرة ليس كتلك في فصل الصيف" ويتابع أبو أحمد "ويكون الطلب عليها أيضا بشكل كبير في مواسم الأعياد
أنواع مختلفة ومذاقات شهية:
السكر والنشا وملح الليمون وبعض العطور_المواد الأساسية في الحلقوم_ داخل قدر نحاسي تمزج جيدا ثم تفرغ وتترك لساعتين تقريبا حتى تبرد وتبدأ مرحلة تشكيلها مكونة حلوى طرية مطاطية.
يُحدثنا أبو أحمد عن الأصناف التي يصنعونها من الحلقوم" هناك أنواعٌ كثيرةٌ من الحلقوم منها المحشيّه حيث نضع المكسرات داخلها ونضيف لها على الطبقة الخارجية الفستق الحلبي واللوز والكاجو وبعد ما تبرد نقطعها ثم إلى آلة اللف، والنوع الثاني السادة (الراحة) نتناولها مع البسكويت، والنوع الثالث السادة (الحبة كبيرة) التي نقوم بلفها على آلة اللف، ويوجد راحة بالقشطة التي نقوم بلفها ونضيف إليها المكسرات وهناك الراحة المدورة التي تكون مثل الحلزون وداخلها أبيض.
وفي خطوة تطويريه يقوم أبو أحمد بصناعة راحة كتلك التي تصنع في تركيا، حيث تصب في مواسير وتكون ذات مذاق مماثل لها وتلقى إقبالا واسعا من الناس.
وواكب أبو أحمد التطور في مجالات أخرى كاستعمال الآلات للف والتغليف، " من قبل كنا نحضر حوالي 30 عامل ليلفوا الحلقوم أما اليوم فالآلات سهلت هذه المهمة وتقوم بها في وقت أقل من السابق"