من بلدة إلى أخرى، ومن مخيم إلى آخر، يتنقّل جيش الاحتلال الإسرائيلي منفذًا اقتحامات مطوّلة تعيد رسم المشهد في الضفة الغربية، وتكرّس التواجد الدائم للاحتلال في الشوارع والأحياء، لتفرض على المواطنين التعامل معه كأمر واقع لا مفر منه.
من بلدة يعبد في جنين، إلى مخيم عسكر وبلدة بيت فوريك في نابلس، والمغير وترمسعيا في رام الله، عاش المواطنون في الأسابيع الأخيرة نمطًا جديدًا من الاقتحام يمتد عدة أيام في بلدات ومخيمات أخرى بالضفة، ويتخلله إحصاء السكان وجمع بياناتهم.
وعاشت بلدة بيت فوريك شرق نابلس، الأسبوع الماضي، على وقع اقتحام متواصل دون سقف زمني محدد.
وفي اليومين الأولين للاقتحام، انتشرت قوات الاحتلال في كل أحياء البلدة، وشنت عمليات دهم واسعة للمنازل، قبل أن يتحول الاقتحام ليأخذ طابعًا منظمًا من حي إلى آخر، ويتخلله مداهمات متسلسلة من بيت لآخر.
ويقول الناشط الإعلامي علاء حنني : إن اللافت في الاقتحام الحالي ليس حجم التخريب الذي يتركه الجنود داخل المنازل، وإنما ما يرافقها من تصوير لكل سكان المنزل، وفحص هوياتهم، وجمع بياناتهم.
ومع طول أمد الاقتحام، بدأ الأهالي يشعرون بثقله على أوضاعهم المعيشية ونمط حياتهم اليومية، كما بات يشكل عبئًا اقتصاديًا على الطبقة العاملة التي تمثل النسبة الأكبر من السكان، والتي تعتمد في تأمين قوتها على عملها اليومي.
ويستغل الأهالي خلو بعض الأحياء من قوات الاحتلال للتحرك وقضاء احتياجاتهم والصلاة في المساجد، وهو ما لا يمكنهم فعله في مناطق انتشار الجيش.
ويشير "حنني" إلى الهاجس النفسي الصعب الذي يعيشه الأهالي نتيجة طول الانتظار والترقب لمجيء دورهم.
ويقول: "عندما يتم اقتحام الحيّ، يبقى جميع سكانه في حالة انتظار واستعداد، وتبقى النساء بملابس الصلاة لساعات تحسبًا لاقتحام المنزل فجأة".
كما أن الزيارات العائلية في رمضان تأثرت وتراجعت نتيجة الاقتحام، بسبب الخوف من اقتحام البيت أثناء غياب العائلة، ما يعني تحطيم الأبواب والعبث بمحتويات المنزل.
ويلفت "حنني" إلى أن المداهمات سرقت من المواطنين قدسية يوم رمضان، ولحظات الإفطار، ولمّة العائلة على مائدة الإفطار.
ويروي لنا حادثة اقتحم فيها الجنود -بشكل مفاجئ- منزلًا في البلدة كان صاحبه يستضيف شقيقاته وعائلاتهن على مائدة الإفطار، مبينًا أن ذلك تسبب بترويع الأطفال والنساء.
ويتوقع أهالي بيت فوريك أن هذا الاقتحام يهدف لجمع بيانات عنهم وجعلهم يعتادون على التواجد الدائم لقوات الاحتلال.
ويوضح حنني: "يريدون من الناس أن يتعايشوا مع هذا الواقع، وهذا ما لن ينجحوا فيه في بيت فوريك، فالناس هنا لا يتقبلون وجودهم، والشبان والفتية يلاحقونهم ويرشقونهم بالحجارة".
وفي الوقت الذي دخل فيه اقتحام الاحتلال لمخيمات جنين وطولكرم عامه الثاني بذريعة القضاء على جيوب المقاومة فيها، فإن النمط الجديد من الاقتحام المطوّل يحمل بُعدًا مختلفًا عما يجري في تلك المخيمات، ويأخذ طابعًا مدنيًا هذه المرة.
ويرى الكاتب والإعلامي علاء الريماوي أن الاحتلال يريد أن يصنع فارقًا جديدًا في الضفة الغربية، يقوم على ركنين أساسيين، هما السيطرة المباشرة وتعوّد المواطن الفلسطيني على هذه السيطرة المباشرة.
ويبيّن الريماوي في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن هذين الركنين يمارسهما الاحتلال من خلال عملية ممنهجة تبدأ بالاقتحام المتكرر وبممارسة الدور الإداري في بعض مناطق السلطة الفلسطينية، في حين أنه يقوم بالإدارة الفعلية في مناطق (ج).
ويعتبر الريماوي أن الاحتلال يريد بذلك تحقيق هدفين؛ أولهما إيصال رسالة إلى السلطة الفلسطينية بأن تموضعها ومساحات عملها سيكون فقط في المناحي الاشتباكية مع المواطن الفلسطيني، وتحديدًا في ملفي الصحة والتعليم، وهذا هو الإطار المنوط بها.
ويقول إن المؤسسة الإسرائيلية غيرت مسار النظرة للضفة الغربية من إعطاء دور للسلطة الفلسطينية، إلى ممارسة هذا الدور بشكل مباشر، فهي تقوم الآن بكل منظومات العمل داخل الضفة، وهذا يؤذن بأن مساحة التأثير وحالة التمدد الإسرائيلي في الضفة ستستمر خلال الفترة القادمة.
أما الهدف الثاني -برأي الريماوي- فهو استغلال الظرف الدولي الحالي الذي لا يرقب فيه العالم ما يجري في الضفة الغربية، من أجل تمتين الوجود الإسرائيلي في الضفة بالعمل على استدامة هذا الوجود وتعزيزه.
كما يتم ذلك بالسيطرة على الضفة الغربية من خلال التمدد الاستيطاني، وتغيير بيئة الضفة لتبدو على أنها مساحة مفتوحة للمستوطنين، ويتجلى ذلك بمشهد الشوارع الممتلئة بالأعلام الإسرائيلية من أجل الإيحاء النفسي والشعوري والتغيير الفكري تجاه الضفة.
ويشير ضيفنا، إلى أن الاحتلال يصوغ شكل وتوقيت وأمد اقتحامه لمدن وقرى الضفة ليوصل رسالة للمواطن الفلسطيني أيضًا بأنه هو اليد العليا، وأن التفكير بتغيير بيئة هذا الاحتلال تفكير عبثي، ولن يصل المواطن الفلسطيني إلى القدرة على تغيير مصيره مع هذه القوة الكبيرة المتواجدة في الضفة.
وفي هذا رسالة ردع للمواطن الفلسطيني مفادها أن لا أمن له، وأنه تحت الرقابة الدائمة وتحت الاستطاعة الإسرائيلية.