طوّر باحثون في جامعة نيويورك نموذج ذكاء اصطناعي قادرًا على تحديد الشكل الكيميائي الأكثر استقرارًا للجزيئات الشبيهة بالأدوية، في تقنية قد تعزز دقة النمذجة الحاسوبية وتساعد الباحثين في مراحل اكتشاف العقاقير وتصميمها.
ويعتمد النموذج على التعلم العميق لتحديد الموقع الأرجح لذرة الهيدروجين داخل الجزيء، وهي مسألة بالغة الأهمية لأن انتقال الهيدروجين بين مواضع مختلفة قد يغيّر ترتيب الروابط الكيميائية، ويؤثر في طريقة تفاعل المركب الدوائي مع البروتين المستهدف.
وبحسب دراسة نُشرت في دورية "Chemical Science" التابعة للجمعية الملكية للكيمياء، يمكن لعدد كبير من الجزيئات المستخدمة في تطوير الأدوية أن يوجد في صور كيميائية متقاربة تُعرف باسم "التوتومرات"، تختلف في موضع ذرة الهيدروجين وترتيب بعض الروابط.
ورغم ضآلة هذه الاختلافات على المستوى الذري، فإنها قد تغيّر قدرة المركب على الارتباط ببروتين معين، ما يؤثر بدوره في توقع فاعليته وسلوكه داخل الجسم.
وأوضح الباحث الرئيسي، أستاذ الكيمياء في جامعة نيويورك يينجكاي تشانج، أن تحديد الصورة الصحيحة للجزيء يمثل عنصرًا مهمًا في النمذجة الجزيئية وفي أساليب اكتشاف الأدوية التي تعتمد على دراسة البنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات.
وتكمن إحدى الصعوبات في أن تقنيات تجريبية شائعة لتحديد البنية، بينها حيود الأشعة السينية، لا توفر عادة دقة كافية لرصد ذرات الهيدروجين بصورة موثوقة. ويضطر الباحثون لذلك إلى استنتاج مواقعها، وما يترتب عليها من تحديد للصورة الكيميائية التي يتخذها الجزيء.
أما اللجوء إلى الحسابات المبنية على ميكانيكا الكم لمقارنة الصور المحتملة، فيتطلب وقتًا وموارد حاسوبية كبيرة، ما يحد من إمكان استخدام هذه الطريقة عند التعامل مع ملايين المركبات المرشحة لتطوير أدوية.
وكانت نماذج التعلم الآلي السابقة تواجه عقبة إضافية تتمثل في قلة البيانات التجريبية المتاحة للتدريب، إذ اقتصرت قواعد البيانات التقليدية على بضع مئات من الجزيئات التي عُرفت صورها الأكثر استقرارًا.
ولتجاوز هذا القيد، استعان الفريق بقاعدة بيانات كامبريدج البنيوية، التي تحتوي على عدد كبير من التراكيب البلورية عالية الدقة للجزيئات الصغيرة، ويمكن من خلالها تحديد مواقع ذرات الهيدروجين في حالات كثيرة.
واستخرج الباحث الأول في الدراسة، شياولين بان، أكثر من 1.1 مليون حالة توتومرية، لتشكيل مجموعة بيانات تدريبية تفوق بدرجة كبيرة المجموعات التي استُخدمت سابقًا.
ودرّب الباحثون على هذه البيانات "شبكة عصبية بيانية"، وهي نموذج تعلم عميق يناسب البيانات القائمة على العلاقات بين عناصر مترابطة، مثل الذرات والروابط الكيميائية داخل الجزيئات.
ويستطيع النموذج، وفق الدراسة، تحديد الصورة الكيميائية الأكثر استقرارًا انطلاقًا من الرسم ثنائي الأبعاد للجزيء، من دون الحاجة إلى معرفة بنيته ثلاثية الأبعاد أو تنفيذ حسابات مكلفة بميكانيكا الكم.
واختبر الفريق النموذج على 5075 جزيئًا مرتبطًا ببروتينات ومسجلًا في قاعدة بيانات مستخدمة على نطاق واسع في أبحاث اكتشاف العقاقير. وحدد النموذج 126 حالة، تمثل نحو 2.5% من العينة، رجّح فيها الباحثون أن الصورة الكيميائية المسجلة ليست الأكثر استقرارًا.
وبعد إعادة تعيين الصور المحتملة لهذه الجزيئات، ظهرت أنماط للروابط الهيدروجينية أكثر اتساقًا مع البيئة المحيطة داخل البروتين.
وشدد الباحثون على أن هذه النتيجة لا تعني أن البنى التجريبية للبروتينات خاطئة، بل تشير إلى أن التمثيل الكيميائي لبعض الجزيئات المرتبطة بها قد يحتاج إلى إعادة تقييم.
وفي إحدى الحالات التي تناولتها الدراسة، توقّع النموذج وجود ذرة هيدروجين في موضع مختلف عن الموضع المسجل، الأمر الذي أتاح تكوين روابط هيدروجينية إضافية مع أجزاء مجاورة من البروتين.
وقد يسهم تحديد الصورة الصحيحة للجزيء في تحسين تقدير مدى ملاءمته لموقع الارتباط بالبروتين، وهي مرحلة مركزية في عمليات تصميم الأدوية المعتمدة على الحاسوب.
كما يمكن أن يرفع دقة المحاكاة الديناميكية الجزيئية، التي يستخدمها الباحثون لدراسة حركة الأدوية والبروتينات وتفاعلاتها بمرور الوقت، إذ تعتمد نتائج هذه المحاكاة بدرجة كبيرة على تحديد مواضع الهيدروجين والروابط الكيميائية على نحو صحيح.
وأشار تشانج إلى أن اعتماد صورة كيميائية غير صحيحة قد يغيّر التفاعلات والحركات التي تتنبأ بها هذه النماذج.
وأتاح الفريق النموذج في أداة مفتوحة المصدر تحمل اسم "Tautomer-Predictor"، وصُممت لفحص مكتبات واسعة تضم أعدادًا كبيرة من المركبات الكيميائية.
وفي اختبار لسرعة الأداء، حللت الأداة نحو 4.6 مليون مركب خلال 3.2 ساعة باستخدام عقدة حاسوبية واحدة مزودة بمعالج رسوميات.
وأكد الباحثون أن الأداة لا تشكل بديلًا من الاختبارات التجريبية أو الحسابات الكيميائية عالية الدقة، لكنها قد تساعد على فرز ملايين المركبات بسرعة وتصحيح تمثيلها الكيميائي قبل الانتقال إلى المراحل الأكثر تكلفة في عملية اكتشاف الأدوية.
المصدر : عرب 48