الرئيسية / مقالات
بريطانيا تتحدث عن الاحتلال، لكنها تلتزم الصمت إزاء سجلها التاريخي
تاريخ النشر: منذ 55 دقيقة
بريطانيا تتحدث عن الاحتلال، لكنها تلتزم الصمت إزاء سجلها التاريخي
بريطانيا تتحدث عن الاحتلال، لكنها تلتزم الصمت إزاء سجلها التاريخي

بقلم: جون ماكدونيل، عضو البرلمان عن دائرة هايز وهارلينغتون البريطانية
نشر وزير الخارجية الإسرائيلي، مؤخرا، قائمةً بأسماء أحد عشر نائبًا بريطانيًا سيُمنعون من دخول إسرائيل، وكان اسمي من بينهم. وجاء هذا الإعلان بالتزامن مع إغلاق قنصليتنا في القدس الشرقية، في خطوة قُدّمت باعتبارها ردًا على العقوبات التي أعلن عنها وزير الخارجية في صباح ذلك اليوم. ولا أنوي الخوض طويلًا في مسألة منعي من الدخول؛ فالمهم هو القرار الذي أدى إلى ذلك، والسؤال الأقدم بكثير الذي يثره هذا القرار، ولا يزال بلا إجابة.
تُعد هذه العقوبات في حد ذاتها خطوةً مُرحبًا بها طال انتظارها، وقد أُعلن عنها بلغة أكثر صراحة ووضوحًا مما عهدناه من أي حكومة بريطانية سابقة. ففي كلمته أمام مجلس العموم في الثامن من سبتمبر، صرّح وزير الخارجية بأن الوزراء باتوا يعتبرون الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية غير قانوني، وأن الفلسطينيين في أجزاء من تلك الأراضي يتعرضون للتطهير العرقي على يد المستوطنين الإسرائيليين، وأن أعضاءً في الحكومة الإسرائيلية اتخذوا خطوات تدعم تهجيرهم قسرًا. لقد أظهر الوزراء أخيرًا استعدادًا لتسمية ما يحدث الآن بوضوح، مما يجعل صمتهم بشأن الكيفية التي بدأ بها كل ذلك أكثر صعوبة في تبريره.
فالاحتلال الذي وصفه الوزراء الآن بأنه غير قانوني، وحملة المستوطنين التي تدفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم في الضفة الغربية، لم يأتوا من فراغ. فقد أسهمت بريطانيا، إلى حد كبير، في إرساء دعائم منظومة الاستيطان وانتزاع الملكية وقانون الطوارئ التي تُفرض عليها العقوبات اليوم، وذلك خلال العقود الثلاثة التي حكمت فيها فلسطين. فقد ألزم "وعد بلفور" عام 1917 الحكومة البريطانية بإقامة وطن قومي لشعبٍ واحد في أرض كانت الغالبية العظمى من سكانها من شعبٍ آخر، وذلك من دون موافقة هؤلاء السكان، وبما يخالف تعهدات سبق أن قطعتها بريطانيا للقادة العرب. أما نظام الانتداب الذي أُقيم لتنفيذ ذلك الوعد، فلم يستند بدوره إلى أي أساس قانوني.
وليس على الوزراء أن يأخذوا بكلامي في أيٍّ من ذلك، فقد عُرضت عليهم القضية كاملة في أيلول/سبتمبر من العام الماضي، عندما تقدّم أربعة عشر فلسطينيًا بعريضة قانونية مكونة من 400 صفحة إلى رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الدفاع والمدعي العام. وقد أُعدّت العريضة لصالح حملة "Britain Owes Palestine" من المحاميين بن إمرسون وداني فريدمان، اللذين يحملان رتبة مستشار الملك (KC)، بمشاركة البروفيسور جون كويغلي، وآفي شلايم، أستاذ العلاقات الدولية الفخري في جامعة أكسفورد، وفيكتور قطان، المستشار القانوني للحملة. وتوثّق العريضة سبعة أفعال غير مشروعة دوليًا ارتُكبت خلال الفترة الممتدة بين عامي 1917 و1948، وتبحث في كل منها في ضوء القانون الذي كان سائدا آنذاك. وفي آذار/مارس، كنت واحدًا من 45 نائبًا وعضوًا في مجلس اللوردات وجّهوا رسالة إلى رئيس الوزراء آنذاك، مطالبين بالرد على العريضة.
وتستحق الطريقة التي فُرض بها هذا النظام ومورست من خلالها سلطاته اهتمامًا أكبر بكثير مما حظيت به حتى اليوم. فخلال الثورة الفلسطينية بين عامي 1936 و1939، امتلك حكام المناطق صلاحيات واسعة، مكّنتهم من اعتقال أي فلسطيني لمدة عام كامل من دون محاكمة، وتجديد أمر الاعتقال إلى ما لا نهاية. وكانت قرى بأكملها تُعاقب بالغرامات، فتُصادر منها الأموال والمواشي والمحاصيل، على خلفية مخالفات لم يثبت أن أيًا من سكانها ارتكبها. وحتى إطلاق النار كان يُعاقب عليه بالإعدام. ولم تقف هذه الصلاحيات عند حدود العقاب، بل رافقتها أحكام حالت دون تمكّن من طُبقت بحقهم من اللجوء إلى القضاء والطعن فيها. وهكذا، لم تكن بريطانيا مسؤولة عن انتهاكات ارتُكبت في فلسطين فحسب، بل أسهمت أيضًا في بناء منظومة قانونية مكّنت من ارتكابها وحصّنتها إلى حد كبير من المساءلة.
عندما انسحبت بريطانيا من فلسطين عام 1948، بعدما أحالت القضية إلى الأمم المتحدة وتركت ما آلت إليه الأمور بعد ذلك، كان نحو 750 ألف فلسطيني قد أُجبروا على مغادرة منازلهم خلال الحرب التي تلت ذلك. أما آخر ما أقدم عليه البرلمان البريطاني في هذا الشأن، فكان سنّ تشريع بأثر رجعي يحصّن المسؤولين البريطانيين من الملاحقة القضائية عن أي أفعال ارتكبوها خلال فترة الانتداب. أما أنا، فقد مُنعت من دخول إسرائيل منذ نحو شهر. وأما أحفاد تلك العائلات الفلسطينية، فقد حُرموا من حق العودة إلى منازلهم حتى يومنا هذا، على مدى ثمانية وسبعين عامًا.
لقد مضى أكثر من عام على اعتراف المملكة المتحدة رسميًا بدولة فلسطين، وهو قرار أيدته ولا أزال أؤيده. فهذا الاعتراف يؤكد حق الفلسطينيين اليوم في تقرير مصيرهم، لكنه لا يتطرق إلى الكيفية التي سُلب بها هذا الحق منهم في الأساس، ولا إلى الجهة التي سلبتهم إياه. والحكومة التي امتلكت الشجاعة لاتخاذ الخطوة الأولى، لا ينبغي أن تعتبر الخطوة الثانية خارج نطاق مسؤولياتها.
كرّس الوزراء الشهر الماضي للتأكيد لإسرائيل بأن القانون الدولي ينطبق عليها، وأن احتلال أراضي شعب آخر لا يصبح مشروعًا بمرور الزمن. وينطبق الأمر نفسه على بريطانيا خلال الفترة الممتدة بين عامي 1917 و1948، في الأراضي ذاتها وتحت أحكام كثير من القوانين نفسها. ولا يمكننا أن نتوقع أن نضطلع بدور جاد في حل نزاع أسهمنا في نشأته، بينما نرفض الاعتراف بمسؤوليتنا عن نشأته. أما مسألة ما إذا كنت سأتمكن من ركوب طائرة متجهة إلى تل أبيب، فهي لا تكاد تعني شيئًا أمام هذه المسألة الأهم.
 

 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017