الباحث مفيد جلغوم يكشف مكان دفن الشهيد حسين العلي المعروف بسرحان والماسورة
تاريخ النشر: الأربعاء 07/08/2019 18:52
الباحث مفيد جلغوم يكشف مكان دفن الشهيد حسين العلي المعروف بسرحان والماسورة
الباحث مفيد جلغوم يكشف مكان دفن الشهيد حسين العلي المعروف بسرحان والماسورة

الباحث مفيد جلغوم يكشف مكان دفن الشهيد حسين العلي المعروف بسرحان والماسورة
في هذا المقال نستعرض سيرةَ نضاليةَ لأحد القادة الميدانيين الذي شاركوا بفاعلية في الثورة الفلسطينية الكبرى 1939-1936، والذي تركز نشاطه في المنطقة الواقعة بين بيسان وجنين، واتخذ من الجبال الفاصلة بينهما ملجأً لأفراد فصيله.
انه الشهيد "حسين علي ذياب درويش الزبيدي" من عشيرة الصقور، التي نزلت في غور بيسان، وامتهن أفرادها حرفة الزراعة ورعي الأغنام، قبل أن يتم تهجيرهم في أيار 1948 الى الأردن.
ولد الشهيد حسين في قرية الحمرا قرب بيسان، ولمع اسمه في منتصف الثلاثينات من القرن العشرين عندما أسس فصيلا مسلحا، وقاوم الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية معاً، وذلك اثر اندلاع الثورة الفلسطينية وتكثيف أنشطتها في غور بيسان والمناطق المجاورة لها.
اتخذ الشهيد حسين العلي من جبال فقوعة المطلة على غور بيسان والمستوطنات الصهيونية المقامة عليه، نقطة انطلاق لعملياته الهجومية، وملجأً للحماية والتخفي معا، ذلك أن المنطقة جبلية وعرة، بعيدة عن طرق المواصلات الرئيسية، وبها الكثير من الكهوف للحماية والمبيت، وكذلك تنتشر فيها آبار المياه للشرب، إضافة الى وجود العديد من القرى أشهرها نورس والمزار وفقّوعة وعربّونة وجلبون، وقد كان بعض أعضاء هذا الفصيل من سكان هذه القرى، وعارفين بشعابها.
نشط الشهيد الصقري وفصيله عامين كاملين في مقارعة الاحتلالين الإنجليزي والصهيوني، وأقل مضاجعهم لكثرة الأعمال التي نفذها ضدهم أو ضد المنشآت المقامة في منطقة نشاطه، حتى أن الاحتلال الإنجليزي أعلن عن جائزة لمن يدلي بأخبار تؤدي الى معرفة مكانه والقبض عليه.
من أهم الاعمال التي نفذها مهاجمة مقرات حكومة الانتداب البريطاني في مدينة بيسان، وهي بنايات محصنة وبها عدد كبير من الجنود الانجليز. وكذلك صب الشحم على قضبان سكة حديد الحجاز قرب منعطف جسر المجامع شمالي مدينة بيسان، حيث خرجت ثلاث عربات للقطار عن سكة الحديد.
وكان الصقري يحصل على الأسلحة من الشام، وله في هذا المجال مجموعة اسناد جيدة عارفة بالطرق، ويقودها رجل عرف بالدكتور.
أما الحادثة الأهم والتي أكسبت الصقري شهرة وطنية وأدبية واسعة فهي استهداف أنبوب النفط القادم من العراق الى مصفاة تكرير البترول في حيفا، المعروف بخط التبلاين، والذي يمر بالقرب من مدينة بيسان. فقد تم تفجير احدى أنابيبه (ماسورة)، وفي هذه الحادثة أصيب الصقري إصابة قوية شفي منها لاحقاً-على الرغم من أن بعض الكتاب ذكروا أنه توفي فيها-ومنهم الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد الذي وثق هذه الحادثة بديوان شعره من خلال قصيدته المشهورة سرحان والماسورة، الذي اقتبسنا عنوان المقالة منه، حيث جاء وصف الشاعر لصقر الصقور كما أسماه:
يقظاً مثل حمار الوحش كان
وككلب الصيد ملفوفاً خفيف
وشجاعاً مثل موج البحر كان
ومخيفاً مثلما النمر مخيف.
كانت الدنيا مطر
وظلام الليل كالفحمة
لا غيماً يضوي ولا قمر
انما سرحان كالقط
يرى الابرة في الليل الكثيف.
ومن بطولات الشهيد أيضاً وفصيله الاغارة على مجموعة من قوات الانتداب في الساخنة (العاصي)، حيث نبع الماء الشهير أسفل جبال فقوعة، فقد وصل الى النبع ثلاث آليات عسكرية، نزل منها 25 جندياَ للسباحة في النبع، وتركوا ثلاثة جنود للحراسة. نزع الجنود أسلحتهم وملابسهم ونزلوا الماء للسباحة بعد عصر أحد أيام شهر أيار عام 1936 فما كان من الشهيد وفصيله الا أن انقضوا كالصقور على فرائسهم، فقتلوا وجرحوا وغنموا أيضا عدة بنادق انجليزية، وفرّوا من المكان الى أعالي الجبال للاحتفال بغزوتهم المظفرة.
تتابعت العمليات البطولية لهذا البطل، الى أن ارتقى شهيداَ نهاية عام1938 ، فقيلت روايات متعددة لسبب استشهاده، منها أنه استشهد عند تفجيره لخط البترول، حيث وجدت بطاقته الشخصية وآثار دماء وقدم مبتورة، وأعلن السلطات الانجليزية عن اسمه في بيان رسمي منشور بالصحف، ومنها أنه تعرض لكمين في بساتين بيسان، ومنها استشهاده شمال قرية فقوعة على سفح جبل الشيخ برقان، ورواية أخيرة تقول أنه حوصر نهاية الثورة في خربة ابزيق في جبال طوباس. بل أن الكتاب أيضاً ذكروا أماكن غير صحيحة لمكان دفن الشهيد، ومنها دفنه في مدينة بيسان.
من خلال تتبعنا لسيرة هذا البطل فاننا ننقد رواية استشهاده خلال عملية تفجير أنبوب النفط، ذلك أنه جرح فيها فقط، وتعافى منها لاحقاً، أما استشهاده في خربة ابزيق فقد كانت من أواخر معارك الثورة، والشهيد كان قد استشهد قبل ذلك بعام تقريباً، أما فرضية استشهاده في بساتين بيسان فلو كانت صحيحة لكان مكان دفنه في مضارب عشيرته في الحمرا أو الساخنة، لذلك تبقى فرضية استشهاده على سفوح جبال فقوعة هي الأقوى والأكثر قبولاً لدي، خصوصاً وأن هناك روايات شفوية تدعم هذا الافتراض.
مهما اختلف في تحديد مكان استشهاد صقر الصقور الا أن المؤكد والمعلوم هو مكان دفنه. فقد دفن الشهيد في قرية فقوعة، وبالتحديد أمام منبر المسجد الشرقي مباشرة، وعندما شرع بإعادة بناء المسجد وتوسعته في منتصف الخمسينات من القرن الماضي تم نقل الرفاة عدة أمتار الى الأمام. وما زال الضريح شاهداَ حياَ على بطولاته، وعلى احتضان أبناء أولائك المقاومين لرفاة هذا البطل. وقد كتب على الشاهد الحجري " الفاتحة هذا قبر الشهيد حسين علي من عشيرة الصقور عام 1938 ".
ان سيرة هذا البطل أصبحث تراثاً شعبيا يتم تناقله من جيل لجيل، وقد أبدعت فرقة العاشقين الفلسطينية عندما أرخت لهذا البطل في غنائها المحفوظ لدى الكثير من أبناء شعبنا في القصيدة المغناة، والتي تصور رثاء أمه وتشييعها ابنها لمثواه الأخير، ومنها نقتبس:
الهنا كل الهنا
يا هنية
وانكوت عيني أنا
يا صبية.ِ
شيعوا لبني عمومته
يجيئوا بالطبول والزمور
خبروهم أنه قد عاد من
غزواته صقر الصقور
وزعوا الحلوى وأكياس
الملبس للكبير وللصغير.
بالهنا كل الهنا
يا هنية
ونكوت عيني أنا
يا صبية. 

 

تم طباعة هذا المقال من موقع أصداء (asdaapress.com)

© جميع الحقوق محفوظة

(طباعة)