عقيدة "يعلون"، والنموذج الثالث بقلم د.حسن ايوب أستاذ السياسة الدولية والسياسات المقارنة، جامعة النجاح الوطنية
تاريخ النشر: الأربعاء 23/07/2014 13:45
عقيدة "يعلون"، والنموذج الثالث  بقلم د.حسن ايوب  أستاذ السياسة الدولية والسياسات المقارنة، جامعة النجاح الوطنية
عقيدة "يعلون"، والنموذج الثالث بقلم د.حسن ايوب أستاذ السياسة الدولية والسياسات المقارنة، جامعة النجاح الوطنية

 دعونا نحاول فهم العقيدة والتفكير الاستراتيجي لأهم رجلين في الحكومة الاسرائيلية. تتبين اليوم أهمية اختيار نتنياهو لموشيه يعلون (أو بوغي كما كان يلقب عندما كان رئيسا لهيئة الأركان) وزيرا للحرب. عبر يعلون منذ كان رئيسا لهيئة الأركان مرارا وتكرارا عن عقيدة ثابتة ترقى لمستوى الديانة في التعامل مع الفلسطينيين. يقول هذا اليعلون: "ينبغي إجبار الفلسطينيين على الإدراك في أعماق وجدانهم بأنهم شعب مهزوم". هذا التصريح أصدره الرجل أثناء العدوان البربري على غزة في العام 2008. وما أشبه الأمس باليوم. تلتقي اليوم هذه العقيدة الإجرامية باستراتيجية نتنياهو الليكودية التي ترمي إلى تجريد الفلسطينيين من مقومات الوجود السياسي والوطني، وإلى إجبارهم على القبول بشروط إسرائيل للتسوية: حكم ذاتي موسع وسيطرة إسرائيلية دائمة على معظم المناطق المحتلة، والقبول بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي.

هذا الالتقاء بين القوة العسكرية الغاشمة، وبين الاستراتيجية السياسية التي تعمل على تصفية الوجود السياسي الذي يسميه البروفسور الفلسطيني سلمان أبو ستة "الإبادة السياسية" أو politiciede عوضا عن الجينوسايد، هذا الالتقاء يجسد نظرية الزعيم الصهيوني المعروف "زئيف جابوتنسكي" المعروفة باسم الستار الحديدي. إن فكرة دمغ أو كًي الوعي الفلسطيني والعربي بالهزيمة -حسب جابوتنسكي ويعلون ونتنياهو- لن تتأتى إلا بالقوة العسكرية الساحقة، والتي ستجبر العرب والفلسطينيين على القبول بدولة إسرائيل كدولة يهودية. هذا هو جوهر ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة. على ثلاث دفعات من المحرقة في الأعوام 2008، 2012، واليوم ترمي إسرائيل إلى هزيمة الفلسطينيين سياسيا من خلال سحقهم ماديا. وفي الضفة الغربية، تنتهج إسرائيل ذات الاستراتيجية كلما ظهر من الفلسطينيين مقاومة جدية، أو ممانعة سياسية عنيدة. لم يكن شارون -بهذا المعنى- أقل جابوتينسكية من يعلون ونتنياهو عندما شن حملة السور الواقي في العام 2002.

تهدف الاستراتيجية الاسرائيلية إلى وضع الشعب الفلسطيني أمام أحد نموذجين مهزومين: الأول هو نموذج غزة المحاصرة منذ ثماني سنوات والتي تدفع ثمن سيطرة حركة حماس عليها وتطور المقاومة المسلحة فيها. يدفع الفلسطينيون في غزة ثمنا باهظا ابتداء لخيارهم الديمقراطي بانتخاب حركة حماس، وبشكل مستمر لأنهم يشكلون الحاضنة الخصبة للمقاومة. لا شك بأن إسرائيل لا تريد أن تقضي على حماس، إذ إن ذلك سيدع غزة لقوى أخرى لا تستطيع أن تفرض سيطرتها وتتوصل إلى أي اتفاقات أو تفاهمات على قواعد اللعبة. تسعى إسرائيل لإبقاء حماس تحت السيطرة، ولتقوم حماس بدورها بالسيطرة على القوى الأخرى في القطاع. إلا أن هذا يتطلب خلع أضراس حماس، ولذا يطرح نتنياهو اليوم مطلبه بنزع سلاحها كشرط لإنهاء المواجهة مع القطاع. يعلم نتنياهو بأن هذا المطلب -كما يشير ديفيد ارون ميللر في مقاله في مجلة فورين بوليسي أمس- بأن هذا المسعى هو بمثابة Endgame، ولكن ذلك يأتي في النهاية الأبعد للصراع والذي يتطلب مقاربات سياسية ومادية لا تتوفر اليوم. إذن ما يريده يعلون ونتنياهو هو حماس النموذج المهزوم عسكريا، والذي ألحق بالشعب الفلسطيني عذابات مرعبة.

أما النموذج الثاني فهو نموذج السلطة الفلسطينية التي تعيش باستمرار على شفير الانهيار المالي والسياسي، والأهم غير القادرة على تقديم أية إنجازات سياسية ذات مغزى بالنسبة للفسطينيين. نموذج الحكم الذاتي المحدود في الضفة الغربية يتحول بالتدريج وبشكل ثابت إلى مشروع بانتوستانات على غرار جنوب إفريقيا في عهد الأبارتهايد. لقد أعادت إسرائيل صياغة احتلالها للضفة الغربية على قاعدة اتفاقات أوسلو وتكريس وجود سلطة فلسطينية لا هي قابلة بنيويا للتطور إلى كيان سيادي يليق به تسمية دولة، ولا هي قابلة للتراجع عنها بحكم ما ترتب على وجودها من بنى مادية وقانونية وسياسية واقتصادية. إن هذه المعضلة هي التي حولت المفاوضات إلى عرض مستمر من الفشل والانغلاق السياسي. تعمل إسرائيل خلال ذلك على تقويض كل ما تبقى للسلطة الفلسطينية من مصداقية وشرعية بأعين الفلسطينيين من خلال سياساتها في الاستيطان، والحملات القمعية المحمومة، وسياسات العزل والحصار. إن النتيجة شبه المحتومة لهذه المعادلة هي إدخال الفلسطينيين في صراع داخلي خطير، إذ إن عزل الفلسطينيين في مناطق "أ" والتحكم الاسرائيلي المتزايد والمعمق في الحيز الحيوي للفلسطينيين سيحول السلطة الفلسطينية إلى العنوان الأول للاحتجاج. فوق ذلك فقد تحول المشروع الاستيطاني الاسرائيلي في الضفة الغربية والقدس المحتلتين إلى مشروع شبه-دولة تسيطر على معظم الحيز المكاني والزماني للفلسطينيين، الأمر الذي أحال التسوية على أساس دولتين إلى خرافة.

إن ما يجري في غزة اليوم عقب الحملة الشرسة التي شنتها إسرائيل في الضفة الغربية هو ترجمة صريحة لهذه الاستراتيجية. تكتسب المواجهة في غزة أهمية استراتيجية من هذه الزاوية. إن فشل إسرائيل في كسب المعركة في غزة وهزيمتها السياسية فيها يعني خسارة إسرائيل لرهانها على حشر الفلسطينيين في خانة أحد هذين النموذجين. لا ندعي بأن المقاومة في غزة قادرة على هزيمة إسرائيل عسكريا بالرغم من قدرتها على مقارعة الجيش الاسرائيلي واجتراح ماثر خالدة في هذه المواجهة. ولكن لا تستطيع إسرائيل إلحاق هزيمة ساحقة بالمقاومة أو فرض تجريد المقاومة من السلاح أو حملها على القبول بوقف لإطلاق النار بمعزل عن المضمون السياسي لمطالب المقاومة باستخدام القوة العسكرية فالثمن الذي ستتحمل إسرائيل تبعاته سيكون هائلا، ولنا في مقتل وإصابة عشرات الجنود والضباط الإسرائيليين على أطراف غزة، واستمرار إطلاق الصواريخ  على الأهداف الاسرائيلية مؤشر صريح على هذا التقدير.

تكمن أهمية المواجهة في غزة بأن هزيمة العدوان العسكري الاسرائيلي الإجرامي فيها وعليها هو هزيمة للنموذج الذي تريد إسرائيل تكريسة وترسيخه في الوعي الفلسطيني وهو دويلة تحت الحصار مستباحة وعاجزة. هذه الهزيمة الاسرائيلية سياسيا ومعنويا هي المقدمة التي تتبلور اليوم لهزيمة نموذجها الثاني في الضفة الغربية، ولنا في مواجهات الضفة الغربية وبيان منظمة التحرير (القيادة الفلسطينية) الليلة مايشير إلى أن المعطيات يمكن أن تتغير جوهريا في الأيام القليلة المقبلة وبما يفتح المجال لبلورة ونهوض النموذج الثالث: العودة إلى برنامج التحرر الوطني الجامع للكل الفلسطيني تحت راية منظمة التحرير الجامعة للكل الفلسطيني. نحن بانتظار هذه العودة التي لا بد أن تبدأ بالتزامن من رام الله ومن غزة.

 

            

تم طباعة هذا المقال من موقع أصداء (asdaapress.com)

© جميع الحقوق محفوظة

(طباعة)