ويسألونك عن الانتخابات ...
تاريخ النشر: الثلاثاء 13/10/2020 09:54
ويسألونك عن الانتخابات ...
ويسألونك عن الانتخابات ...

 

كتب مهدي الحنبلي

اتفقت الحركتان الأكبر على الساحة الفلسطينية، فتح و ح م اس، ضمن جولات مفاوضات المصالحة بينهما في نسختها الأخيرة، على إجراء الانتخابات للمجلس التشريعي ثم الانتخابات الرئاسية ثم انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وذلك كإحدى آليات ارساء دعائم المصالحة وتحقيق الوحدة الوطنية، بناء على النظام النسبي الكامل، وبحيث تتفق الحركتان على المشاركة بالانتخابات في قائمة واحدة
وقبل الحديث عن "مدى واقعية هذا الطرح وموضوعيته" أحب أن اعود بذاكرتنا إلى الظروف التي سبقت انتخابات المجلس التشريعي في العام 1996 وفي عام 2006
فعندما تم إجراء انتخابات المجلس التشريعي في العام 1996 كان الهدف السياسي الواضح من وراء "السماح" بعقد وإجراء هذه الانتخابات، هو تثبيت شرعية اتفاق أوسلو الذي لاقى معارضة شديدة من ح م اس و ج ش و ج إس وقوى فلسطينية أخرى كالقيادة العامة، تمهيدا لاستكمال مسيرة التسوية التي بدأتها فتح في أوسلو في العام 1993، لذلك كانت دول الاقليم كلها ودول المجتمع الدولي كذلك معنية بإجراء هذه الانتخابات، وتقديم الدعم والتسهيلات اللازمة لها، لإفراز قيادة تستكمل مسار التسوية وتتفاوض مع المحتل وفقا لاتفاق إعلان المبادئ الذي وقع في أوسلو في العام 1993، وقد طلب الرئيس عرفات من ح م اس وقتئذ المشاركة في الانتخابات، وقدم لها التسهيلات لكي تجتمع قيادة الضفة مع قيادة غزة، من أجل الخروج بقرار للمشاركة بهذه الانتخابات، وحضر وفد من ح م اس غزة والتقى بقيادة ح م اس في الضفة، وعقدت حوارات داخلية، والتي افضت في المحصلة باتخاذ قرار بعدم مشاركة ح م اس في هذه الانتخابات بأي شكل من الأشكال، سواء انتخابا أو ترشيحا، بل ودعت ح م اس إلى مقاطعة هذه الانتخابات، على اعتبار أن هذه الانتخابات ستؤكد على شرعية أتفاق أوسلو الذي ترفضه ح م اس .
أما في العام 2006، فكانت قد تغيرت الظروف السياسية والميدانية، خاصة بعد حصاد انتفاضة الأقصى التي بدأت في العام 2000، حيث ظهرت ح م اس كقوة لا يمكن تجاوزها خاصة بوجود جناح عسكري قوي، وكانت وجهة نظر فتح وقوى الاقليم والقوى الدولية، بأنه لا بد من إشراك ح م اس في الانتخابات التشريعية، حيث كانوا يعتقدون أن ح م اس ستكون أقلية في المجلس القادم، ومن خلال هذه الانتخابات سيتم إلزام ح م اس بالالتزام بنتائج الانتخابات والتي كانوا جميعا(فتح مع قوى الاقليم والقوى الدولية) يعتقدون بأن القوى المؤيدة لمسار التسوية هي التي ستفوز بالأغلبية، وعليه ستكون ح م اس مع القوى المؤيدة لها أقلية في المجلس المنتخب وبالتالي فعلى هذه الأقلية أن تلتزم بقرارات الأغلبية، لذلك سمح ل ح م اس بالمشاركة في هذه الانتخابات، وشاركت ح م اس فقط في انتخابات المجلس التشريعي وأحجمت عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية، وكان لدى ح م اس اعتباراتها الخاصة للمشاركة في هذه الانتخابات، كان أهمها ضغط الشارع بحث ح م اس للمشاركة لكي تمنع استفراد فتح في مؤسسات السلطة، حيث أدى هذا الاستفراد إلى انتشار الفساد والمحسوبيات بكل كبير في مؤسسات السلطة، إضافة إلى ان ح م اس كانت تحرص على حماية مشروع المقاومة من خلال المشاركة في هذه الانتخابات، إضافة إلى حرصها أن يتم معرفة وزنها الانتخابي الحقيقي من خلال هذه المشاركة
وأجريت هذه الانتخابات، واكتسحت ح م اس هذه الانتخابات، وحصلت المفاجأة التي أذهلت فتح وقوى الاقليم والقوى الدولية، ولم يتم الاعتراف بنتيجة هذه الانتخابات التي فازت فيها ح م اس ولم يتم احترامها وتم اتخاذ قرار بإفشال ح م اس، وقاومت ح م اس مخططات الافشال، وكان نتيجة الصراع بين فتح ومعها قوى الاقليم والقوى الدولية من جهة و ح م اس من جهة أخرى، أن حدث الانقسام بين شطري الوطن والذي نعاني من آثاره حتى يومنا هذا
والآن ما الذي تغير حتى تكون الانتخابات الذي يتم الحديث عنها ناجحة، أو واقعية؟
أنا بشكل شخصي أؤيد أية انتخابات تهدف إلى تجديد الشرعية في المؤسسات وضخ دماء جديدة في الأجهزة التنفيذية لهذه المؤسسات
ولكن عند الحديث عن انتخابات عامة، بعد سنين من التيه، لا بد من وجود ضمانات للموافقة على إجراء هذه الانتخابات من قبل "الجانب الآخر" الذي يملك السيطرة على الأرض والانسان، وعدم اعتقال المرشحين المؤيدين لمشروع المقاومة، وضمان حرية التعبير والدعاية الانتخابية، والأهم احترام نتائج هذه الانتخابات
وحسب المفاوضات بين فتح و ح م اس بهذا الخصوص، ولتجاوز "هذه الضمانات التي تبدو مستحيلة في ظل الظروف السياسية الحالية" فقد اتفقت الحركتان على النزول للانتخابات ضمن قائمة واحدة مشتركة تضم كل الفصائل وعدد من الشخصيات الوطنية الوازنة ، بحيث تفوز بالتزكية، ولكن ألا يوجد في الشارع الفلسطيني قوى وشخصيات أخرى ستقوم بترشيح نفسها؟ هناك شخصيات مستقلة من المؤكد أنها ستشكل قائمة لخوض الانتخابات، وهناك ما يسمى "بالتيار الاصلاحي لفتح" جناح محمد دحلان والذي من المؤكد سيخوض الانتخابات
وبالتالي ستكون هناك عملية انتخابية بكامل أركانها
لذلك لا أرى واقعية لتشكيل قائمة وطنية مشتركة تضم كل الفصائل وعدد من الشخصيات الوطنية الوازنة، والأفضل من وجهة نظري أن تشكل كل القوى قوائمها الخاصة بها وتخوض الانتخابات بهذه القوائم الخاصة بها ، وبعد الانتخابات يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية، بناء على برنامج سياسي وكفاحي متفق عليه مسبقا قبل الانتخابات
لأنه من الضروري أن تعرف هذه القوى وزنها الحقيقي في الشارع، لأن ذلك سيؤثر على تنفيذ البرامج التي يتم الاتفاق عليها قبل الانتخابات
وهناك تجربة مريرة حدثت في انتخابات بلدية نابلس حين تم تشكيل قائمة موحدة لخوض الانتخابات، حيث لم يكن الشارع على قناعة بهذه القائمة، نظرا للتناقضات الجمة بين مكوناتها، فقاطع الانتخابات، فكانت نسبة المشاركة الأقل في تاريخ انتخابات بلدية نابلس، إضافة إلى نشوء تناقضات بين مكونات المجلس مما ادى إلى شبه شلل في عمل المجلس البلدي
وأنا من وجهة نظري، الأهم هو الاتفاق على برنامج سياسي وكفاحي، والبدء بتنفيذ هذا البرنامج قبل الحديث عن أية انتخابات، وتهيئة الأجواء لعقد انتخابات حرة ونزيهة، والاعلان رسميا عن إغلاق ملف الاعتقال السياسي، وإعادة الثقة للشارع من خلال البرنامج الكفاحي الذي يتم الاتفاق عليه وتطبيقه على الأرض، ومن خلال اشاعة أجواء الحريات، وبعد ذلك تكون الفرصة مهيئة لإجراء الانتخابات العامة.


 

تم طباعة هذا المقال من موقع أصداء (asdaapress.com)

© جميع الحقوق محفوظة

(طباعة)