حمزة يونس: ضاقت "بلاد" العرب.. فأتسع "المنفى" السويدي!
تاريخ النشر: الثلاثاء 13/10/2020 13:04
حمزة يونس: ضاقت "بلاد" العرب.. فأتسع "المنفى" السويدي!
حمزة يونس: ضاقت "بلاد" العرب.. فأتسع "المنفى" السويدي!

بسام الكعبي
قَطَعَ سعال متواصل دردشة هاتفية مساء الثلاثاء مطلع أيلول 2020 مع حمزة يونس؛ وحجبتْ عملية جراحية قدرته على الكلام مطولاً، وقد نالتْ الجراحة من رئته اليسرى التي قاومتْ السرطان حتى الرمق الأخير، وأجبرتْ المناضل العتيق المقيم في "المنفى" السويدي على الاستعانة بأنبوبة أوكسجين تساعده على التنفس والكلام. قدمتُ لأبي إبراهيم اعتذاراً خجولاً لغياب سيرته عن فضائي! سَعلَ مرات متتالية قبل أن يقول بصوت متماسك رغم التعب: أتحداك إذا عثرتَ على مجموعة قليلة من الحركة الوطنية تعرف تاريخي في البلاد!؟ كيف تشكلت سيرة مناضل صلب؟ وكيف واجه العقبات في مسيرته الصعبة؟
قبضة ملاكم
لا يغيب حتى اللحظة عن سمع حمزة يونس صوت المياه المتدفقة من عين المسقاة المجاورة لمنزله في قرية عارة الفلسطينية حيث ولد سنة 1942، وعاش طفولته المبكرة في بيت جده مصطفى الواسع وسط غابة من الأشجار والخضار، ولم تغب عن ذاكرة طفل صغير تفاصيل اجتياح "الغرباء" للقرية سنة 1949 وقيام ما يسمى ب"حرس الحدود" الإسرائيلي بشن حملات تفتيش ونهب وتخريب؛ بعد سقوط المثلث الفلسطيني في قبضة الاحتلال عقب اتفاقيات رودس بين الأردن والكيان المغتصب.
أنهى حمزة دراسته الابتدائية في عارة، وتابع تعليمه سنة 1952 في مدرسة تابعة لكيبوتس (هامعبيل) الذي أقيم على أنقاض قرية قاقون الفلسطينية، وارتبط بزمالة مدرسية مع طلاب يهود، لكنه أدرك سريعاً سلوكهم العنصري تجاه العرب، ودفعه هذا التصرف العدواني لتعلم فنون الملاكمة دفاعاً عن النفس حتى لا يكون فريسة سهلة تمارس عليها المزاجيات العدوانية المتعصبة.
حصل سنة 1962 على بطولة "اسرائيل" للناشئين في مباريات للملاكمة تم تنظيمها في مدينة بئر السبع جنوب فلسطين. نال أواسط أيلول 1962 المرتبة الرابعة في السباحة الطويلة؛ عندما قطع عرض بحيرة طبريا (4.5 كيلو متر) خلال سباق بمشاركة 500 سباح، وتلقى بعد تفوقه في المسابقة دورة في الإنقاذ والاسعافات الأولية للغرقى، وحاول العمل كمنقذ في شواطئ مدن الساحل؛ إلا أن اعتراض المنقذين اليهود وتهديدهم بالإضراب حجب عنه الوظيفة.
سافر مطلع تشرين أول 1963 مع وفد الملاكمة الإسرائيلي إلى اليونان، عقب مواجهته بطل إسرائيل (نسيم أشرف) اليهودي المغربي الذي احترف الملاكمة في فرنسا، وعندما هاجر إلى (إسرائيل) فاز بالضربة القاضية على كل خصومه، لكنه لم يتمكن من هزيمة حمزة يونس؛ فأضطر المسؤول الإداري ادراجه اجبارياً في قائمة الوفد، بعدما عجزت لكمات نسيم أشرف من تخليص الوفد الإسرائيلي من ملاكم عربي!
تعرض وفد الملاكمة الإسرائيلي للتحقير في اليونان، ولم تكترث أثينا باحتجاج الوفد على المعاملة القاسية، وفي محاولة لتعويض التجاهل والاحتقار قرر اتحاد الملاكمة الاستعداد للسفر إلى تركيا لمواجهة الفريق التركي على الحلبة. واظب حمزة على التدريب لضمان الفوز في تركيا، إلا أنه لم يتمكن من المشاركة بسبب شجار مع شبان يهود أجبره على الفرار من شرطة "إسرائيل".
تردد برفقة إبن عمه وصديقه الحميم مكرم يونس بين فترة وأخرى على ناد للرقص في تل أبيب، وأثناء عودتهما للقرية في احدى الليالي أواخر آذار 1964 على دراجة نارية، مرا على محطة لتعبئة الوقود، واشتبكا مع شباب يهود بعد اطلاق بعضهم شتائم عنصرية بحق العرب، فأقدم حمزة على توجيه لكمة لأحد العنصريين أسقطته أرضاً دون حراك.
أبرزت الصحف العبرية في الصباح خبراً تحت عنوان ( مجهولان يعتديان على صاحب محطة وقود يدعى فيكتور) وقرر الهرب مع ابن عمه مكرم إلى قطاع غزة بعد تنفيذ الشرطة حملة للبحث عنهما. وصل الشابان مدينة عسقلان، وأشترى حمزة خارطة لتساعده على الوصول إلى غزة، وقطعا الطريق مشياً بين البيارات، ثم دخلا غزة وتوجها إلى مركز للشرطة المصرية. استمع ضابط الأمن لقصة هروبهما، وطلب منهما العودة إلى إسرائيل! وصلا بئر السبع بعد اجتياز طريق وعرة، واستقلا حافلة إلى عسقلان، لكن دورية شرطة إسرائيلية أوقفت الحافلة للتفتيش، وتم اعتقالهما مطلع نيسان 1964 واحتجزا في سجن عسقلان.
تمكن حمزة من الهرب ظهيرة 17 نيسان 1964 من سجن عسقلان برفقة مكرم يونس وحافظ مصالحه، وقطع الشبان الثلاثة 24 كيلو مترا في غضون أربع ساعات. كتبت الصحافة الإسرائيلية عن هروبهم وضربهم لمجموعة من حراس السجن، فيما عقدت (الكنيست) جلسة مساءلة بشأن الهروب، وأوصت بطرد مدير السجن، ونائبه، وأربعة حراس، وتقديم العلاج لستة آخرين.
أقام حمزة في غزة ثلاث سنوات حتى العدوان الإسرائيلي على القطاع مطلع حزيران 1967، واستجاب لطلب المخابرات المصرية بترجمة نصوص من اللغة العبرية. شاهد الطيران الحربي يقصف غزة أثناء العدوان، وشارك في المقاومة بمواجهة تقدم قوات الاحتلال نحو تلة المنطار، وأصيب قرب مبنى السرايا في الساق اليمنى بعد أن فتح النار على جنود الاحتلال، ونقل جريحاً إلى المستشفى الإنجليزي في غزة، وأجرى له الأطباء جراحة عاجلة.
أواسط حزيران 1967 أجرى طاقم المشفى الإنجليزي الجراحة الثانية لساقه اليمنى، وظل محتجزاً في غرفة المشفى تحت حراسة إسرائيلية مشددة.
تمكن حمزة ظهر 26 حزيران من مغادرة المشفى سراً بمساعدة أربعة من أصدقائه في غزة، وتنقل بين مخيم الشاطئ وشمال المدينة، وأقام شهراً في حفرة وسط بيارات القطاع، قبل أن يتمكن من التواصل مع والده، والعودة برفقته إلى بلدته عارة مستخدماً بطاقة شخصية لشبيه من أحد أقربائه.
غادر قريته نهاية تموز 1967 إلى الضفة الغربية التي باتت في قبضة الاحتلال، ثم اجتاز جسر أريحا إلى الأردن. أقام أسبوعاً عند أقربائه في عمان، وراجع مستشفى الأشرفية للاطمئنان على ساقه، وسافر إلى القاهرة حيث تلقى علاجاً في مستشفى العجوزة ثم مشفى الحلمية العسكري. عمل في القاهرة مع حركة (فتح) وإذاعة منظمة التحرير الفلسطينية، والتحق بمدرسة السعديات الثانوية، ونال شهادة التوجيهي المصري.
عاد إلى الأردن، وشهد معركة الكرامة بمواجهة القوات الإسرائيلية التي اجتازت الضفة الشرقية للنهر فجر الأحد 21 آذار 1968، وشهد معارك أيلول 1970 بين المقاومة الفلسطينية وقوات النظام الأردني، وعمل مترجماً في إذاعة (درعا) التابعة للمقاومة الفلسطينية مدة شهرين برفقة مكرم يونس: ظلت الإذاعة تبث برامجها الكفاحية من مدينة درعا في جنوب سوريا على الحدود الأردنية، حتى تعرضت للمداهمة الأمنية السورية قبل حرب تشرين أول1973 بأيام قليلة.
انتقل حمزة، قبل اغلاق الإذاعة، للعمل العسكري في جنوب لبنان؛ بغرض نقل السلاح إلى الداخل المحتل، وتمكن سنة 1971 مع رفيق له من نقل كمية أسلحة من لبنان إلى شاطئ نهاريا شمال "إسرائيل" رغم تعدد الحواجز الأمنية، وعندما عاد "المتسللان" اشتبه بهما أهالي مدينة صور الجنوبية، وهاتفوا الأمن اللبناني الذي احتجزهما أسبوعين في صور وبيروت، دون أن يكترث بأمر اعتقالهما المسؤول الفلسطيني للساحة اللبنانية!
اجتاز مع مجموعة من (الضفادع البشرية) فجر 5 تشرين أول 1971 السواحل اللبنانية باتجاه شاطئ نهاريا؛ بغرض خطف جنود إسرائيليين لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين. كشف جنود الاحتلال القارب الصغير للمجموعة، وتعرض لاطلاق نار كثيف. قفز الشاب (غضنفر) إلى الماء أثناء الاشتباك المسلح، وتمكن من السباحة ثلاثين كيلو متراً عائداً إلى جنوب لبنان، فيما تم اعتقال المجموعة المسلحة.
قضى حمزة الأشهر الثلاثة الأخيرة من سنة 1971 في زنازين سجن (الصرفند) بظروف تحقيق قاس، عدواني وشرس، ثم تنقل بين سجون الجلمة قرب حيفا، سجن عكا، أبو كبير قرب تل أبيب، وسجن عسقلان، حيث أعاد تمثيل تفاصيل هروبه، وتم اغلاق ملف فراره الثاني من المعتقل، ونقل بعد ذلك للاحتجاز في سجن الرملة تحت حراسة مشددة.
أصدرت محكمة اللد العسكرية ظهيرة 31 كانون ثاني 1972 حكماً بالسجن المؤبد على حمزة ورفاق مجموعته المسلحة التي وصلت شاطئ نهاريا على متن القارب: وليد وزياد ووائل. عاد من المحكمة العسكرية إلى زنزانته في (الرملة) وأعلن متحدياً إدارة السجن: لن أمكث سنوات طويلة في المعتقل وسوف أقفز عن أسواره وأقهر سجانه وأهرب منه.
الهروب الكبير
روى حمزة في كتابه (الهروب من سجن الرملة) تفاصيل دقيقة تتعلق بالتحضير الطويل للعملية، وتهريب مناشير صغيرة بغرض قص حديد يغلق نافذة غرفة المغسلة، وقرار الأسير محمد قاسم المحكوم بالمؤبد، بتهمة المقاومة المسلحة في صفوف حركة فتح، الانضمام اليه في عملية الهروب. صدر الكتاب في عمان صيف 1999 وأشار حمزة يونس في مقدمة قصيرة وقعها صباح 27 أيار 1999 إلى الاهتمام بقصة هروبه على المستوى الفلسطيني والعربي، وأضاف: "نظراً للتقادم الزمني، ولأن مجمل ما كتب عني لم يكن دقيقاً؛ فقد استجبتُ لرغبة المسؤولين والأقارب والأصدقاء فقمتُ بتسجيل عمليات الهروب الثلاث مع التركيز على الهروب الثالث من سجن الرملة؛ باعتباره الأكثر صعوبة وغرابة، حيث لم يسبق أن هرب من سجن الرملة أحد قبلي".
خطا مساء 3 آذار 1974 برفقة محمد قاسم وسمير درويش نحو النافذة الضيقة وأزال قضبان الحديد التي تعرضت للقص على مدار أيام طويلة. لم يتمكن سمير من اجتياز النافذة بسبب ضخامة حجمه، فيما اجتاز حمزة ومحمد ساحة السجن وواصلا الركض قافزين عن الأسوار، وظلا يركضان طوال الليل تحت المطر حتى دخلا غابات نهر العوجا شرقي يافا. تمكن حمزة من شراء ملابس ساعدتهما على التنكر، وتجنب الاتجاه إلى الضفة الغربية المحتلة، أو الاقتراب من بلدتي عارة والطيبة، أو التواصل مع الأصدقاء والأقرباء، قاطعاً الطريق على الفخ الإسرائيلي.
وقف حمزة ومحمد مساء 16 آذار تحت سلك شائك يفصل بينهما والحدود اللبنانية، وتمكنا من اجتيازه والقفز من فوقه، وتابعا طريقهما حتى وصلا بيروت. عقد المقاتلان مؤتمراً صحفياً في اليوم التالي بحضور ماجد أبو شرار، زياد عبد الفتاح ونخبة من مراسلي الصحافة اللبنانية والعربية، واجتمعا مع ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير، قيادات العمل الوطني، وابن عمه وصديق عمره مكرم يونس.
لجأتْ المخابرات الإسرائيلية عقب المؤتمر الصحفي إلى بث إشاعة: الهروب الثالث للأسير حمزة قد يكون مدبراً من طرفها! أوضح حمزة في كتابه أن الاشاعة تم ترويجها في محاولة لامتصاص الصدمة، والتغطية على فشل المخابرات في اكتشاف خطة الهروب واعتراضها: "ما أزعجني أكثر من هذه الاشاعة، مشاركة البعض في ترويجها، لكن عزائي أن المشاركين في ترويج الاشاعة لم تربطني بهم علاقة سابقة، فيما دافع عني من يعرفني جيداً".
واصل حمزة نشاطه النضالي في لبنان تحت مسؤولية القائد العسكري خليل الوزير (أبو جهاد) أثناء حرب أهلية تواصلت طويلا بين سنوات (1975- 1990). سَجّل في جامعة بيروت العربية لمتابعة دراسته الأكاديمية قبل أن يتزوج من الفلسطينية مريم فخر الدين سنة 1976؛ وقد ولدت في مخيم اليرموك جنوب دمشق عقب التهجير القسري لذويها من مدينة صفد إثر نكبة فلسطين سنة 1948. أنجب الزوجان في الشام ثلاث بنات: ايناس، حنين ولينا.
غادر برفقة زوجته إلى السعودية للقاء والده ووالدته وشقيقته فاطمة في موسم الحج سنة 1978، وظل يتنقل بين أفراد أسرته في الشام، ومهماته الكفاحية في لبنان، ومواسم الحج في السعودية للقاء والده ووالدته، عقب اتفاق عمان مع الرياض يسمح للمواطنين العرب داخل "إسرائيل" بتأدية طقوس الحج بوثائق سفر أردنية مؤقتة.
شارك حمزة في الدفاع عن المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية أثناء الاجتياح الإسرائيلي الذي استهدف لبنان بدايات حزيران 1982، وعندما غادر المقاتلون الفلسطينيون بيروت على متن السفن إلى اليونان، قرر حمزة المغادرة إلى السعودية أواسط أيلول 1982 للقاء ذويه في موسم الحج. مكث مع زوجته وبناته الثلاث في مدينة جدة، والتحق باللجنة الشعبية لمساعدة أسرى فلسطين في اطار مكتب منظمة التحرير. استقر في مدينة جدة تسع سنوات وأنجب فيها ثلاثة أبناء: آلاء، إبراهيم ومحمد.
صَمَد في وظيفته بمكتب المنظمة حتى اعتقاله سنة 1991 بوشاية لدى أجهزة الأمن السعودية: تعرضتْ حافلة تقل مجموعة من الأميركيين إلى هجوم في جدة صباح 3 شباط 1991 وأصيب فيه ثلاثة من الركاب، وشرعتْ قوات الأمن السعودية بحملة اعتقالات طالتْ حمزة وعشرة من رفاقه في مكتب جدة. قضى أسبوعاً في سجن جدة، ثم عُزل تسعة أشهر بزنزانة منفردة في سجن (حاير) جنوب الرياض على بعد ثلاثين كيلو متراً من العاصمة، ولم يسمح لزوجته وأبنائه الستة من زيارته طوال فترة عزله في سجن (حاير). تنقل بين سجني جدة والرياض طوال سنتين وأربعة أشهر قبل قرار اطلاق سراحه، ولم يعثر على سبب لاعتقاله رغم سؤاله المتكرر للمحقق السعودي عن تهمة تستدعي الاحتجاز الطويل بلا محاكمة!.
قضى حمزة في السجن المعزول تحت الأرض أقل من عامين دون تهمة، قبل أن يتبين له أن الاعتقال احترازي بناء على "نصيحة" من موظف فلسطيني في مكتب المنظمة! عاش في سجن (حاير) تجربة مروعة، قضى منها تسعة أشهر في زنزانة منفردة، ونحو سنة مع ثلاثة معتقلين في غرفة واحدة، وعدة أشهر في سجن جدة. هذه تجربة أخرى مروعة تستحق توثيقاً بتوقيع حمزة يونس ورفاقه العشرة.
أطلق الأمن السعودي سراحه مطلع حزيران 1993 وألغى اقامته، واحتجزه شهرين في قسم (الترحيل) تمهيداً لإبعاده عن المملكة. رفض السفير الفلسطيني في السودان استقباله بناء على وشاية بأنه "محرض كبير"! ورفض السفير الفلسطيني في تونس تسهيل أمر دخوله إلى البلاد، ونام مع أسرته في المطار حتى قامت أجهزة الأمن بإبعاده إلى سوريا، وأقام فيها ثلاث سنوات مع زوجته وأبنائه.
غادر سوريا إلى الأردن سنة 1997 على أمل أن يحظى بإقامة وأفراد أسرته، وظل يراجع دائرة المخابرات العامة دون فائدة، ولحقته ابنته البكر ايناس إلى الأردن عقب خديعة نفذتها السلطات السورية لإلغاء اقامتها في الشام؛ بذريعة خطبتها لابن عمتها المقيم في بلدة عارة داخل أراضي 1948 تحت احتلال "إسرائيل"!
أقدم الأردن على ترحيله إلى تونس، وأقام فيها أربعة أشهر قبل أن تعيده السلطات التونسية إلى عمان، وغادر الأردن نهائياً إلى الجزائر سنة 1999 بعد أن رفض شروط الإقامة بالتعاون مع جهاز الأمن! فيما تزوجت ايناس سنة 2000 في عمان، وتنقلت بين عمان والجزائر ومصر حتى تمكنتْ من الحصول على جمع الشمل، وعادت إلى بلدتها عارة سنة 2006 للاستقرار فيها مع أفراد أسرتها عقب رحلة شتات طويلة.
التحق حمزة بوظيفة في سفارة فلسطين في الجزائر سنة 2000 وتمكن من جمع شمل جزء من أفراد أسرته، وظل في وظيفته حتى تقاعد سنة 2010. حرصتْ الجزائر على تجديد اقامته وأسرته على شهادة ميلاد خاصة به، وعندما راجع دائرة المغتربين بعد مرور سنتين على عدم تجديده للإقامة، أكد له مسؤول دائرة الهجرة أن الجزائر لا تطرد فلسطينياً مناضلا، ولا تلاحقه، حتى لو أهمل طويلا تجديد اقامته على وثائق سفر منتهية الصلاحية.
باتت إقامة حمزة وأسرته في الجزائر مكلفة مالياً، وبخاصة بعد تقاعده، وتقلص راتبه. قرر المغادرة إلى سوريا؛ لأنه يمتلك فيها بيتاً يخفف ضغط أجرة المسكن عن راتبه الضئيل، إضافة إلى أن تكاليف المعيشة في الجزائر مرتفعة قياساً بمستوى الانفاق في سوريا.
اللجوء إلى البحر
اندلعتْ الأزمة السورية أواسط آذار 2011، وتعرض حمزة يونس للاحتجاز القصير والمساءلة، وقرر المغادرة الطوعية إلى جمهورية مصر العربية، وأقام فيها أكثر من سنة دون أن يحظى وأسرته باقامة..ضاقتْ عليه (أم الدنيا) كما ضاقتْ عليه السعودية، السودان، تونس، سوريا والأردن..بعد أن طاردته (إسرائيل) طويلا.
عثر في مصر على مساعدة رفيقه محمد قاسم الذي فر برفقته من سجن الرملة، واكتشف قاسم مبكراً أن غياب المساءلة والنقد في مؤسسات منظمة التحرير، وهيمنة نخب متنفذة من (برجوازية الأطراف) على قرار معظم الفصائل الفلسطينية لن يقود إلى انتصار، وقرر مغادرة مركب بلا أشرعة؛ أعطبه بالتدريج غياب القرار الجماعي، الشفافية والمراجعة النقدية! اتجه محمد قاسم إلى التجارة، ونجح في أعماله الحرة بين بيروت والقاهرة، وأقام في مصر، وتزوج من مصرية ورزق بالأبناء، فيما واصل مكرم يونس نشاطه المهني في الصحافة الفلسطينية، والإذاعة التابعة لمنظمة التحرير قبل الالتحاق بوظيفة إعلامية في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة، بينما تحرر سمير درويش الناشط في الجبهة الشعبية (القيادة العامة) في صفقة (النورس) الشهيرة لتبادل الأسرى أواسط آذار 1979 عقب اعتقال دام اثني عشر عاماً، واستشهد في بيروت خلال مواجهته قوات الغزو الإسرائيلية في عدوان حزيران 1982؛ الذي استهدف لبنان وحركته الوطنية التقدمية والمقاومة الفلسطينية.
في جمهورية مصر، تواصل حمزة مع وسطاء تهريب إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ودفع نحو 15 ألف دولار "رسوم" تهريبه وزوجته وإثنين من أبنائه إلى إيطاليا! وكان نجله محمد قد غادر مصر للدراسة في ماليزيا، فيما كانت كريمته حنين تقيم في ألمانيا قبل عودتها إلى الأردن ثم هجرتها وأسرتها إلى السويد.
تمكن حمزة من تدبير أمر الإقامة السرية لمدة شهر في مدينة الإسكندرية، ورافق مطلع تشرين أول 2013 زوجته مريم ونجله إبراهيم وكريمته آلاء في مغامرة خطرة جداً بركوب قارب تحت اطلاق نار كثيف لقوات السواحل المصرية. فر القارب بنصف الركاب، نحو 75 مهاجراً، إلى عرض البحر تجنباً للرصاص! وعندما عاد المركب صباحاً إلى شاطئ الإسكندرية بعد ساعات طويلة في عرض البحر، لم يعثر على النصف الثاني من الركاب؛ لاعتقادهم أن القارب أبحر إلى إيطاليا بدونهم.
"الحظ" وحده لعب دوراً في نجاتهم بسبب نصف الحمولة على مركب صغير؛ بمياه شرب قليلة، ووجبات أكل معدومة تحتوي على رغيف خبز وقطعة صغيرة من الحلاوة، يتناولها الركاب على وجبتين صباحية ومسائية، طوال أيام جوع وقلق في بحر لا يرحم مهاجرين مغامرين.
صارع القارب موج البحر طوال عشرة أيام تحت بحر أزرق وسماء زرقاء وموت أزرق، وقد لامس الركاب المذعورين جثثاً لمهاجرين طائشة على سطح المياه! في الساعة الأخيرة لمغامرة خطرة جداً، اصطدم القارب "لحسن حظهم" في صخور على جزيرة إيطالية في دلالة على نجاتهم من موت محقق. نفذت الشرطة أوامر باحتجاز "المتسللين"، واقتادتهم بروائح كريهة جداً ملتصقة بملابسهم المبللة بالبول، لانعدام "دورة مياه" على متن قارب صغير، مكتظ بمهاجرين فقراء؛ ينهشهم الخوف والقلق والجوع والعطش!
تمكنتْ الشرطة من احتجاز بعض المهاجرين فيما فر البعض إلى شوارع جانبية، ووضعتْ "المتسللين المنتهكين للسيادة" في مخيم لاحتجاز المهاجرين غير الشرعيين. اعترضتْ الكنيسة الكاثوليكية على احتجاز المهاجرين قسرياً في حدود البلاد، وساندتْ حقوق اللاجئين بحرية الإقامة في أوروبا. موّل بطريرك الدير تكاليف الراغبين بالسفر عبر القطار إلى ألمانيا.
وصل حمزة وزوجته وابنته آلاء ونجله إبراهيم إلى بيت كريمته حنين التي كانت تقيم مع زوجها في ألمانيا، ومكثوا عندها عدة أيام، وتابعوا سفرهم في القطار إلى الدنمارك ثم السويد.
استقر حمزة وأسرته في مدينة مالمو جنوب السويد أواخر تشرين أول 2013، وحصلوا بعد سبعة أشهر على إقامة اللجوء، ثم نالوا الجنسية السويدية سنة 2017 وفق القانون الذي يتيح لكل مهاجر الحصول على الجنسية بعد أربع سنوات من الإقامة القانونية.
عاد حمزة سنة 2017 إلى الأردن بجواز سفر سويدي، ومرّ من مطار (الملكة علياء) بسلام ودون سؤال وبلا اعتراض، لكن لعنة المرض تكشفت في عمان؛ عندما اشتد عليه السعال. أظهرتْ الفحوصات اصابته بسرطان الرئة، وتلقى نصيحة من الأطباء والأصدقاء بالعودة إلى السويد لمتابعة وضعه الصحي؛ ذلك أن العلاج مكلف في الأردن.
شخّص الأطباء طبيعة المرض، وخضع لجراحة خطيرة نالت، للأسف، من رئته اليسرى، والتزم بجلسات علاج بالكيماوي؛ أثرت على أحبال الصوت والبلعوم، وبات المريء غير قادر على دفع الطعام نحو المعدة، ووضع له الأطباء أنبوباً لضمان وصول الأكل إلى الأمعاء.
بعد سنة على معاناة (أبو إبراهيم) من السرطان، شخّص الأطباء إصابة زوجته مريم فخر الدين بسرطان الأمعاء، وأجريت لها جراحة تم فيها استئصال 50 سم من الأمعاء الغليظة، وباتت غير قادرة على مساعدة زوجها، بل تحتاج إلى رعاية صحية وبخاصة أنها تعاني من انزلاق غضروفي عمودها الفقري.
وَفّرَ التأمين الصحي السويدي طاقماً لمساعدة الزوجين على تدبير شؤونهما الصحية والبيتية، وحرص على زيارة منزل الأسرة عدة مرات في ساعات الصباح والمساء، فيما وفر الضمان الاجتماعي أجرة البيت إضافة إلى راتب شهري لكل من الزوجين بغرض تغطية تكاليف حياتهما اليومية وتوفير العلاج لهما مجاناً. يسجل للسويد بأنها في قائمة دول الرفاه في أوروبا والعالم، بعكس دول (الجباية) التي تبتلع "المواطن" العربي، ولا تكف عن نشل مدخراته الضئيلة جداً؛ لضمان حياة بذخ النخبة المتنفذة!
فقَدَ حمزة يونس صوته بالتدريج، وتراجع وزنه كثيراً، وفق صورة حديثة مرفقة، لكن لم يفقد ايمانه بقضيته الكفاحية، وحق شعبه بالعودة؛ وقد ناضل طوال نصف قرن من أجل انتزاع حرية فلسطين، دون اكتراث بالبحث عن "امتيازات" شخصية تستقطب اهتمام النخب المتنفذة بطبعات سلطوية متعددة.

 

 

 

 

تم طباعة هذا المقال من موقع أصداء (asdaapress.com)

© جميع الحقوق محفوظة

(طباعة)