الرئيسية / ثقافة وأدب
الكاتب مفيد جلغوم:حرق الكتاب ليس بطولة بل نتيجة ضغوطات ولنزع فتيل الأزمات
تاريخ النشر: الخميس 29/12/2016 07:57
الكاتب مفيد جلغوم:حرق الكتاب ليس بطولة بل نتيجة ضغوطات ولنزع فتيل الأزمات
الكاتب مفيد جلغوم:حرق الكتاب ليس بطولة بل نتيجة ضغوطات ولنزع فتيل الأزمات

 حاوره:سمية القاسم

في الأسابيع الأربعة الماضية كسا كتاب " فقوعة" أسواق ومكاتب الضفة الغربية، للكاتب مفيد جلغوم، الكتاب الذي أبرز من خلاله ملامح تاريخ قرية فقوعة،تلك القريةالنائية الواقعة في الشمال الشرقي من مدينة جنين.

كتابٌ قيمٌ وغنيٌ بمعلوماتٍ تاريخية ٍتوازي موسوعة مصغرة، يتناول الحياة الاجتماعية للقرية، حيث تمتاز القرية بتعدد عائلاتها بخلاف عائلات القرى الأخرى، حيث تحوي القرية على أربعة وأربعين عائلة، كما يتناول النواحي السياسية والأحداث والبطولات التي جرت في داخلها، بالإضافة للنواحي الاقتصادية بما فيها من الثروة النباتية والحيوانية، وغيرها من الأمور.

اعتمد الكاتب في عملية جمع المعلومات على الأدبيات من المراجع والوثائق إضافة الى الرواية الشفوية،إذ كانت عميلةالاعتماد على الرواية الشفوية سببا رئيسيالحرق الكتاب،يقول جلغوم:"حرق كتابي ليس بطولة؛ بل نتيجة ضغوطات ولنزع فتيل الأزمات"، فمن هنا قمنا بتسليط الضوء على قضية التاريخ الشفوي ومعاييره ونتائجه في عملية التوثيق.

نظرا لأهمية الحدث وندرة حدوثه ان يقوم كاتب بحرق كتابه بسبب إعتماده على الرواية الشفوية، توجهنا بمقابلة كاتبهبمنزله الواقع في قرية فقوعة، فمنذ أن تطأ قدماك عتباته حتى ترى بعينيكمدىاهتماماته وحبه في توثيق التاريخ , من خلال معالم المكان التي تعانق التاريخ , وبأجواء تشعرك وكأنك ببيت سوري قديم أو بفلسطين قبل1948, من ناحية الدافع للتصميم قبل الدراسة أنه محب للتاريخ والتراث حيث كان لمجال دراسته آثر عليه،كونه حاصل على درجتي في التاريخ والبكالوريوس في العلوم السياسية، من الجدير ذكره أنه عمل باحثا ومشرفا في عدة مؤسسات، وأستاذا للتاريخ والحضارة في جامعة القدس المفتوحة، ويعمل حاليا معلمالمادة التاريخ  في مدارس جنين، كما يزخرُ بيته بالموروثات التاريخية والتراثيةالتي إستخدمها أجداده , الى جانبها صورة الأب والجد كنوع من التمسك الإفتخار.

 

وفيما يلي نص الحوار:

Ø  ما سر إهتمامك بتوثيق تاريخ قرية فقوعة؟

السر يكمن بأنني منسكان فقوعة ومن الجميل أن يقوم الإنسان بتوثيق تاريخ بلده, إضافة لكوني متخصصا بالتاريخ, فعملت بمجال تخصصي, لأنني كنت أتوقع من نفسي أن يكون لدي القدرة أكثر من البعض الأخرفيتجاربه لإعداد كتاب لفقوعة, واستنتجت أنه يوجد حوالي عشر تجارب جميعها وصلت لحد ما قبل النور, فكان لدي أمل أن أجتاز هذه العوائق جميعها, وأعمل على إنتاج كتاب لفقوعة.

Ø  هلإعتمدت بشكل كبير على الرواية الشفوية في بحثك؟

أنا لا أريد القول أنني اعتمدت على الرواية الشفوية أكثر أم المواثيق أكثر, أنا أعتمدت على الأشياء المكتوبة, كوني إطلعت على مئات الكتب التي كتبت عن فقوعة, وللأسف كل ما هو مكتوب عن فقوعة قليل جدا, بعد ذلك عدتإلى ألاف الوثائق والسجلات القديمة أطلعت عليها ومصادر المياه والأمطار على مدار 36سنة.

Ø     هل حاولت خلال المدة الإطلاع على أرشيفات مؤسسة الدراسات الفلسطينية- بيروت- إذا ما كان لديها  شيء يخص فقوعة ولو ضمنيا؟

كل ما يوجد في مؤسسة الدراسات الفلسطينية هو منشور, والكتب التي أستطعت الوصول إليها منها أطلعت عليها, لكن للأسف لا يوجد شيء يستحق عن فقوعة, ومن هنا قدمت نقدا لها بأنه من الغريب عدم وجود المعلومات المراد عن قرية فلسطينية فيها والذي من المفروض أن تكون مرجعا تتوفر فيه كافة التفاصيل.

Ø     في كتابك تطرقت لذكر عائلات على أنها تعاملت مع اليهود, هل حاولت إيجاد قنوات اتصال ممكن من دول الخارج أو من عرب 48, قد يساعدوك في الحصول على شيء من الأرشيف الإسرائيلي؟

الكل من الأهالي يعلم بالقصة, وهي قصة معروفة وقبورهم موجودة بالقرية, وأنا لم أتطرق لذكر أسمائهم, لكن المحتجين على الكتاب اتخذوها حجة.

Ø     الكتاب أعتمد في غالبه الروايات الشفوية وخاصة الجزء الذي تم الاحتجاج عليه, فكيف اعتمدت الروايات التي حصلت عليها,وكيف تثبت أنك لم تتحيز لأحد في التأريخ الشفوي؟, وهل كانت بمطابقة عدة روايات من أشخاص مختلفين وعائلات مختلفة؟

من يقرأ كتابي يجد أنني كتبت عن جميع أهل بلدي ولم أنحاز لأحد, بحيث أنه مرجع للقرية كاملة, وعدم التحيز ظهر في صفحات كثيرة أول موضوع هو من كان عليه خلاف وهو موضوع العائلة, بذكر 44عائلة, فلذلك لم أستثني أي شخص وهذا يدل أنني موضوعي وغير متحيز, وعند الكتابة عن العائلات أعطيت عدد الصفحات لكل عائلة بشكل متساوي, وفي قضايا الشهداء والأسرى والأسيرات والبيوت المهدمة لم أستثني أحدا, وفي التأريخ الشفوي أجريت سبعين مقابلة كانت تغطي تقريبا كل عائلات فقوعة, في الجانب الاجتماعي 80صفحة وموضع الخلاف 14صفحة, والذي يتعرض للعائلات بخمسة أسئلة والسؤال الأول أنه عندما أحصيت عدد العائلات وجدت أربعة وأربعين عائلة وهذه حالة استثنائية فهنا على الباحث أن يتساءل لماذا, [44عائلة في قرية صغيرة]، ويقوم بالتوضيح عن أسباب ذلك, فجاءت الأسئلة على نحولماذا, متى, أين, من أين, فكانت هذه الأسئلة تشمل كل العائلات بغض النظر عن حجم العائلة بالنسبة لوجودها, وكنت أكتب عن كل شهيد وشخص أشتهر من العائلة, وفي الروايات كنت أتناولها من أكثر من شخص واطابقها, وبعضها أخذت من شخص واحد واكتفيت, لأني رأيت أنه لا مجال للتعقيد وأنها معروفة وواضحة,وهي تحتاج مجرد توثيق, وبعض العائلات لا تعرف تاريخها, وعرف تاريخها من عائلات ثانية, وهذا يدل على قلة علمهم واهتمامهم.

Ø     هل وثقت بتسجيل صوتي؟

للأسف لم أوثق أي تسجيل صوتي, وكل شخص كان يعلم أنني أؤلف كتابا ليس استفسارا, وكانت معظم المقابلات في بيوتهم ,وكان في الأغلب بوجود أفراد العائلة كلها ليس سرية عند المقابلة, لسرد الأحداث  لتوثيقها.

Ø     أحتج الناس على كثرة ذكر عائلتك وبطولاتها, وأطلقوا عليه جلغوميات, وبقضية أخذك بعض الروايات من والدتك, ماذا كان ردك عليهم من هذا الجانب؟

أنا عندما كتبت عن فقوعة كنت أجمع قصص بلونين الأبيض والأسود, فكتبت فقط عن الأبيض, لهدفي بإبراز وجهها المشرق والإيجابي, وقصة جلغوميات هو اتهام, والتهمة من المفروض أن تكون مبنية على أسس علمية, (وأحضر الكتاب متصفحا به مبينا الأماكن التي يذكر فيها إسم جلغوم من بدايته حتى نهايته), أسم جلغوم واضح وكثير قبل الدخول للكتاب وتصفحه,  وأنا على علم أنه يثير البعض, أما بالنسبة لولادتي فكان الرد عليهم ممزوجا بالألم, بإنتقادهم لأخذي روايات منها وتوثيقها بكتابي ،فأنا اعتبرالإنتقاد كان متخلفا وحقودا على إهدائي لها الكتاب, وأعطيتهم قصة كانت تختلف بها أكثر من رواية ورواية والدتي هي الأرجح كانت لربطها بحدث أخر مؤكد.

Ø     جرت العادة عند نشر أبحاث تاريخية أو أبحاث ذات مستوى عال, إن كانت لقرية فهو يؤرخ لها ولحقبة من الزمن, هل تم تحكيمه من لجنة أكاديمية؟وإذا تم عرضها ماذا كان موقفها عندما بدأت المشاكل حول الكتاب؟

لحساسية الموضوع كوني أنا أكتب عن قرية, والكبار في السن يعرفون جميع الأحداث كونهم يعيشوا معها, أنا تميزت باستطاعتي أن أجمع جميع القصص من أفواههم وأنسجها بقصة واحدة إسمها فقوعة, فقد عملت على عرض الكتاب على مجموعة أشخاص للإطلاع, عددهم عشرة, إضافة إلىأستاذ في جامعة القدس المفتوحة, وقدموا لي تصحيحات وآراء وعملت بها,وكان موقفهم رائع من البداية وحتى نهاية المشكلة, ومنهم من أعتبر الكتاب كتابه والجهد جهده, وتمسكوا به أكثر ولم يتخلوا عنه ودافعو عنه, حتى بقراري بحرق الكتاب لم يؤيدوني به, لأنهم اعتبروه جهد جماعي وإضاءة لأهل فقوعة.

Ø     لماذا توجهت للمحافظ بالبداية؟وماذا كان موقفه عندما توجهت له ؟وهل قراره كان مجحفا بحقك؟

توجهت له في البداية, لأنه قد وصلني نص مكتوب من أهل بلدتي, كتب من  مجموعة مكونة من ثماني أشخاص ووقعوا عليه, طالبوني فيه بمطالب خارجة عن القانون, فمن هنا توجهت للمحافظ على اعتبار أنه ممثل الرئيس والرجل الأول في محافظة جنين, فإذا كان يوجد شيء مخل بالأمن والقانون, فهو يمثل الجهة المسؤولة للتعامل مع هذه القضايا,موقفه بالبداية كان إيجابي جدا, بأن سلطة القانون قبل سلطة الناس والعشائرية, والناس شكلت نفسها ممثلين وقضاة وشرعيين, فمن هنا باب الاحتجاج كان, لكن للأسف بالنهاية هو أخذ بتوصية شخص واحد, وبعد ذلك أكد أن قراره كان مجحفا بحقي, لأن قراره لم يكن مدروسا, وإنما كان قرارا مبنيا على توصية, فالتوصية غير الدراسة.

 

Ø     من من كانت التوصية؟

من مجلس قروي فقوعة, ومن أشخاص آخرين, يشيرون فيهاإلى ضرورة إتلاف الكتاب مباشرة, إذاكان قرارا منصف لكان بعد عرض  الكتاب لجنة علمية متخصصة بحيث تخرج بنتيجة منصفة, فبتالي" المحافظ ما أعتمد على ناس متخصصة بل أعتمد على الرأي", والشخص الذي أوصى هو معروف لكني غير معني بفتح سجل بقضية الأسماء, فهي قضية كتاب وليست شخصية هكذا أراها أعتبرها, وهو شخص ممثل في المحافظة نفسها.

Ø     ما هي المطالب الغير قانونية التي طالبك فيها المجلس القروي؟

طالبوني في بيانهم الذي كان على صيغة تهديد,وكان التهديد بإعطائي مهلة مدتها أسبوع, وإلا كل شخص سيأخذ حقه بالطريقة التي يراها مناسبة, كل البنود التي بالبيان كانت بإرادتي وموافقتي إلا هذا البند, لما فيه تعدي على سلطة المحافظ والسلطات التي يجب أن تكون منصة للمجتمع, فالذي حصل أن المحافظ لم يتخذها على محمل الجد , فلذلك إتخذت القرار من ذاتي وأحرقته ليس بطولة بل نتيجة ضغوطات ولنزع فتيل الأزمات.

Ø     برأيك هل تعاملت مع القضية بالشكل الصحيح؟

أنا أتخذت أقصى ما فكروا فيه, وبدأت من هناك, فالأقصى كان إحراق الكتاب وإتلافه, وأنا بدأت من النقطة التي يودون أن يصلوها بأن أقوم بحرق الكتاب, والبدء بمرحلة أخرى.

Ø     ما هي المرحلة الأخرى؟ وهل تشعر للحظات أن تعبك وجهدك ذهب هباءً منثورا بالحرق؟

إن الكتاب غير معروف وفقوعة أيضا, والتي هي من ضمن القرى فلسطينية, العملية هذه صحيح أنها لم تعطي قراءة حقيقية للكتاب وللقرية ونجاح داخل القرية, إلا أنها أعطت نجاحا للكتاب وكاتبه خارج فقوعة,فبتالي كتاب فقوعة أصبح أكثر شهرة وانتشاراواهتماما, وأنا قد تلقيت عشرات المكالمات والمقابلات الصحفية, فبتوقعي لو لم يحصل الضجة عليه, لم يكن أحد يعلم فيه, وبقي سنين مخبئا في بيتي, هم حاولوا الإساءة لي بشكل شخصي, لكنهم أفادوني بطريقة علمية, خدمت كتابي أكثر, وهذا ما جعلني بعدم الشعور أن تعبي ذهب سدى , وأنا طبعت ألف نسخة, وهذه النسخ حوالي شهرين وأنا أبيع منهن, وأقدمإهداءات, وبعد القضية طالبت ببيان رسمي أنه من يمتلك الكتاب إحضاره لي لأحرقه بنفسي، لكنه لم تصلني سوى نسختين, وهذا يدل عل تمسك الناس بالكتاب, وأن كثير من الناس أصروا بعدم خروجه من بيتهم, ليس من منطلق علمي بل من منطلق أن القصة شخصية أكثر, وهم شهروا فيه, لكن هذه الشهيرات أتت بنتائج إيجابية, وهو ربما أزعج البعض.

Ø     هل كان لديك مخاوف وإحساس قبل نشر الكتاب من حصول مشاكل أو احتجاجات ؟

بالطريقة التي حصلت إطلاقا, لكن وأنا أكتب كان لدي حذر, لذا قمتبإعطاء المسودة لأكثر من شخص لقراءته, وتمهلت في قضية النشر.

Ø     تداول الناس قول أنك قد جعلت نفسك كالشهيد لتكسب استعطاف الناس ما رأيك بذلك؟

أنا لم اطرح نفسي بهذه الحالة إطلاقا, أنا طرحت نفسي من البداية على أني باحث, يقوم بتجميع المعلومات ويعطي تحليلا لها أو وجه نظر, وهذا ما فعلته فقط, أما بعد حرق الكتاب, القصة ليست قصة شخصية إنما قصة رأي عام كما قالت وزارة الثقافة أن هذا أول كتاب تاريخي لفلسطين يحرق, وهي غير سهلة وشائعة, فلذلك كان هناك تعاطف شديد على صفحات الفيسبوك متنوعة مع الكتاب, ربما من هنا الكتاب أخذ شهرة أكثر, والشخص عندما يستشهد يكون له رمزية أكثر, وكتابي أستشهد في سبيل قضية الدفاع عن فقوعة والتعريف بها.

 

 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017