الرئيسية / ثقافة وأدب
ما بعد المشهد الأخير: سينما الوليد
تاريخ النشر: الخميس 04/05/2017 20:51
ما بعد المشهد الأخير: سينما الوليد
ما بعد المشهد الأخير: سينما الوليد

رند عبدالقادر
أدى طغيان العولمة الشرسة إلى التهام جزء من مباني وآثار مدينة رام الله واحدا تلو الآخر في غضون السنوات العشر الأخيرة، ما سبب توهان المدينة في واقع تحاول التشبث به في ما بقي لديها من ماض، وفي ما وعدت به للمستقبل. مرت المدينة بتغيرات تجعلها صعبة التمييز، ولم يتبقى بها إلا ذكريات تطفو في أذهان بعض من معمريها.
تاريخ رام الله السينمائي
تميز ماضي مدينة رام الله بالتنوع الثقافي والفني، فشهدت المدينة وجود ثلاثة دور عرض للسينما. أولها هي سينما الدنيا، والتي شيدت عام 1945 وهدمت بعد 53 عاما من إنشائها. تلتها سينما الوليد، والتي أنشئت عام 1955، وآخرها سينما الجميل التي أصبحت مسرح وسينماتك القصبة. هدمت سينما الوليد، محولة ذكريات الكثيرين إلى ركام. ومعها انسلخ ذلك المنبع الفني إلى مجمع تجاري يحمل نفس الاسم.
سينما لعامة الشعب
"السينما حياة بحد ذاتها" قالت نانسي الريان، والتي كانت إحدى رائدات سينما الوليد، "فيها روحها الخاصة، تأخذك الى عالم اخر لطالما وددت زيارته بغض النظر عن مكانك". وأضافت "ما ميز سينما الوليد هو كونها لعامة الشعب، فذهب اليها افراد العائلة، وزوار البلد، والاصدقاء سواء كانوا صغارا أم كبارا، كما خصصت رحلات مدرسية لزيارتها. ذهبت للمرة الأولى مع عائلة عمي القادمة من الكويت وشاهدنا ثلاثة افلام، فيلم الرسالة وفيلم مصري وفيلم (كاراتيه) لبروس لي. استمتعنا بشدة حتى أننا عدنا في اليوم التالي لمشاهدة نفس الافلام للمرة الثانية". وتابعت الريان "كان الاكل ممنوعا داخل الصالة، لذلك، كان تهريب الأكل داخل السينما بحقيبة خاصة جزءا رئيسيا من التجربة. كما تضمنت طقوس مشاهدة الافلام التصفيق والتصفير". واختتمت الريان بقولها "من اجمل ذكرياتي في سينما الوليد مشاهدة فيلم عمر المختار الذي رفض عرضه في السينمات الأخرى. خرج الجميع يبكون من شدة تأثرهم بالفيلم".


الوليد بالتفصيل: بين الذكريات والواقع
وبعد زوال سينما الوليد، لم تفارق ذهن الشاب تاييد خالد رائحة الدهان الزيتي الذي طلى جدرانها. "دخلنا انا وصديقي القادمين من لبنان "محمد" و"عوض" الى غرفة معتمة وكراسي قديمة وبلاط مكسر ودهان مقشر". في عمر السادسة، سحر خالد بالسينما لأول مرة. شد غموض سينما الوليد وجوها غير المعتاد الأطفال الذين لم يألفوا هذا النوع من الحماس واتجهوا إليه بعيدا عن علم أهاليهم. وتذكر خالد لحظة تحول القاعة بغضون ثوان من بدء الفيلم، احتل السكون القاعة نفسها التي غمرها الضجيج قبل لحظات. واكد خالد ان سينما الوليد أعطته المجال لمتابعة الافلام في غياب الانترنت، وشاهد فيلم "هالو أمريكا" وفيلم "الرسالة" في هذه القاعة التي سببت له الصدمة لكبر شاشتها التي أضاءت القاعة بنورها الساطع.

ويتذكر محمود ياسر، وهو أحد رواد سينما الوليد، اللحظات الأولى لرؤيته السينما بالصدفة عندما مر بجانبها مع اخيه. " رأينا جدارا زجاجيا، قبع وراءه ملصقات كبيرة وملفتة للانتباه، للأفلام المقرر عرضها في سينما الوليد". أثارت الملصقات الملونة للممثل فان دام و لعادل إمام حماسه للدخول لاكتشاف ما حجب وراء باب المبنى الكبير. "وجدنا كراسي انتيكا بعد الدرج الطويل". لاحقا، اصبحت سينما الوليد جزءا من نشاطاته المعتمدة مع أخيه الكبير. وتابع ياسر "اذكر يوم ذهبت لمشاهدة فيلم على الساعة الثامنة ليلا مع اخي. علمنا بعد انتهائه أن فيلم "صعيدي في الجامعة الأمريكية" لمحمد هنيدي تلاه، ما شدنا للبقاء في السينما لمشاهدته. أدى تهريب الحلوى والبشار للقاعة وإسقاطها على الأرض إلى صراخ عاملي السينما علينا، لكن البهدلة الأكبر كانت من قبل أبي عند عودتنا للمنزل في منتصف الليل".

"كلفت التذكرة 10 شيكل"، قال "وليد عز"، الذي أدار سينما الوليد لسنوات عديدة حتى إغلاق أبوابها عام 2002. وأضاف " غالبية الأفلام التي تم عرضها كانت عربية، وكان "المتبقي" من الأفلام التي أحببت مشاهدتها، أما الفيلم الذي حاز على اقبال شديد من قبل مرتادي السينما هو فيلم "جمال عبدالناصر"". وتابع عز كلامه قائلا "عملت السينما من الصبح للمغرب، وروجت أفلامها عبر المحطات المحلية والجرائد."
"فشل" سينما الوليد


وأكد بدر الأعرج، رئيس دائرة علم النفس والاجتماع في جامعة بيرزيت، أن رام الله أمست ضحية للخصخصة والعقار، مشددا ان هذا احد اسباب فشل سينما الوليد. وبين الاعرج أن نظام سينما الوليد لم يكن مواكبا لعصره في أيامها الأخيرة، فبينما شهدت سينما القصبة نجاحا مبهرا لقاعاتها العديدة وخياراتها المتنوعة، تضمنت سينما الوليد شاشة واحدة ومواعيد محددة. ونوه الأعرج إلى أهمية السينما الثقافية ودورها في توجيه الناس، مبينا أنه يمكن استخدام السينما كأداة ثورية أو كوسيلة تخريب ما يرجع إلى طريقة استفادة الفرد منها.
تلتهم زوبعة التمدن أثمن ما تركه لنا أجدادنا من إرث، وبينما لم تعد سينما الوليد موجودة على أرض الواقع، سينما الوليد لم ترحل. يثبت أثرها وجوده بذكريات كل من زارها. وعلى رصيف الذكريات، نشم رائحة طلاء جدرانها الغريبة من ذكريات "تأييد خالد"، ونسمع صفقات الجمهور من ذاكرة "نانسي الريان"، ونشتري التذاكر من "وليد عز"، ونهرب الحلوى مع "محمود ياسر".
 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017